إفشاء الأسرار علامة من علامات الخيانة، فمن يؤتمن على سر ويفشيه يخون صاحب هذا السر، لكن ماذا عن الأسرار التي يعني كتمانها الإصابة بالأمراض النفسية والقلق؟
أكدت دراسة حديثة أن كتمان السر يصيب الإنسان بمتاعب جسدية، وذلك لأن عملية الكتمان تنشط وتحفز المراكز العصبية الحسية الحركية الخاصة بالجهد البدني.
الأسرار أنواع
وأرجع الباحثون ذلك إلى نتيجة دراستهم التي أجريت على مجموعتين من الأشخاص، تذكرت الأولى سراً مصيرياً ولم تفصح عنه، فيما تذكرت المجموعة الثانية سراً أقل أهمية، ولم تكتمه.
وطلب الباحثون من المجموعتين وصف منحدر بأحد التلال، فأكدت المجموعة الأولى أنه شديد الانحدار وبعيد ومرتفع؛ بعكس تقييم أفراد المجموعة الثانية، ما يؤدي إلى شعور المجموعة الأولى بإرهاق جسدي أكثر خلال أدائهم لأي نشاط، بما في ذلك التنزه، فيما لم يشعر أعضاء المجموعة الثانية التي لم تكتم السر بهذه الدرجة من الإرهاق.
الأسرار أنواع، هذا ما يؤكده اختصاصيو الطب النفسي، ويقولون إن مفهوم السر يختلف من شخص إلى آخر، فمثلاًً، ينجح شخص ويحصل على مجموع كبير ولا يخبر أحداً؛ خوفاً من الحسد، أو مجموع صغير، فيخفي الخبر خوفاً من الشماتة، وما دام الشيء سيُعرف في وقت ما لا يكون سراً، ومن الأشياء التي تُعتبر أسراراً، معرفة شخص لخطأ ما أو عيب ما في سماته الشخصية، ولا يرضى عنها الناس، وهي ستسبب له مشاكل، أو لديه عيب من العيوب في السلوك، وهذا السر ممكن أن يخفيه، لأنه هنا يستر نفسه، وسر قد يكون بين العبد وربه، مثل العبادات.
كتمان غير مفيد
وهناك أسرار إذا كُتمت تسبب أمراضاًً نفسية، وكتمانها غير مفيد، مثل أن يخفي شخص ما أنه لا ينجب، فهذا سر سينقلب عليه ويضره مع الوقت، وعيب آخر يكون في الشخصية وسيظهر للناس مع الوقت، مثل البخل أو العنف في السلوك، أو إخفاء صفات، مثل الكذب والشذوذ الجنسي، أو الانطوائية الشديدة، وكتمان الأمراض النفسية أيضاً يضر أصحابها، وهناك أشياء يجب أن تقال ولا تُكتم، مثل الإصابة بالأمراض العضوية، مثل السكر وأمراض القلب، خصوصاً قبل الزواج، فالصراحة يجب أن تكون موجودة، وهناك أسرار قد يؤتمن شخص ما أحد الأصدقاء عليها.
ويؤكد الاختصاصيون أهمية اختيار من نثق به ونخبره بأسرارنا، مثل الأسرة الكبيرة والأجداد والأخوال والأعمام، وبين الأسرة الصغيرة الزوجة والأولاد، وممكن الأصدقاء المختبرين من قبل في كتمان الأسرار، وذلك حتى لا يستغلها أحد في وقت الخلاف ويستخدمها ضده.
فتنة أحياناً
روى البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عندما تأيّمت حفصة، أي صارت بلا زوج، قال: لقيتُ عثمان رضي الله عنه، فعرضتُ عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال عثمان: سأنظر في الأمر، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه، فلبثت ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج، فلقيت أبا بكر فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت أبو بكر رضي الله عنه، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، ثم لبست ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت عليّ حفصة، فقلت نعم، فقال أبوبكر: لم يمنعني أن أرجع عليك فيما عرضت علي، إلا أنني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وختاماً، إن السر أمانة في عنق من استمع إليه، لا يحل له أن يبوح به لأي إنسان، وإلا وقع تحت طائلة الخيانة والعياذ بالله، وما أقصى إفشاء أسرار الناس، لعل في هذا يكون ضياعاًًً لصاحب السر، وتكن فتنة أشد من القتل.

