Menu
فلسطين - غزة °25 °17
تردد القناة 10873 v

هل يمكن اعتبار سؤال الانتخابات الفلسطينية مدخلاً صحيحاً لمواجهة المرحلة وتحدياتها؟ 

فلسطين اليوم

الكاتب: سيف الدين موعد 

هل يمكن اعتبار سؤال الانتخابات الفلسطينية مدخلاً صحيحاً لمواجهة المرحلة وتحدياتها؟ 

وهل يمكن للانتخابات، في ظل الظروف التي نعيشها اليوم، أن تشكل عنوانا لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني؟

وبعد كل ما جرى ويجري منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، هل يكفي ان يدور السؤال حول شروط الانتخابات ونزاهتها وشرعيتها ومن يشارك فيها، أو حتى حول أي مجلس ننتخب؟

الانتخابات التشريعية تعني العودة إلى مؤسسة تنتمي إلى بنية سلطة أوسلو داخل حدود الضفة وغزة فقط، بما تؤدي إلى تهميش باقي مكونات الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 وأماكن اللجوء والشتات. أما انتخابات المجلس الوطني، فهي لا تحل المشكلة، طالما اننا لم نحسم القضايا المتعلقة بمنظمة التحرير وميثاقها وبرنامجها السياسي، وعلاقتها بالسلطة وتمثيل الفلسطينيين خارج الضفة وغزة وما يتصل باستبدال التعيين بالانتخاب هناك.

أيضا هناك سؤال حول الجهة التي تدير هذه العملية، فنحن نتحدث عن تجديد شرعية سلطة يتركز فيها القرار في الرئاسة والأجهزة الأمنية، فيما يجمع رئيس السلطة في الوقت نفسه بين رئاسة السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، كما أن التعديلات الانتخابية الأخيرة تشترط على المرشح الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا، والالتزام ببرنامجها السياسي والقرارات الدولية ذات الصلة. وهذا يعني أننا أمام عملية تجري داخل حدود سياسية مرسومة سلفا، وغير قادرة على إنتاج تغيير فعلي في بنية النظام السياسي.

كذلك، كيف يمكن مناقشة إعادة بناء المشروع الوطني من دون مراجعة التنسيق الأمني ووظيفة الأجهزة الأمنية وعلاقتها بالمجتمع وبالقوى السياسية، في وقت لا تستطيع فيه السلطة منع الاجتياحات الإسرائيلية أو اعتداءات المستوطنين؟ هذه ليست قضية جانبية، لأنها ترتبط مباشرة بالسؤال عن وظيفة السلطة بعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو.

وهذا بدوره يفتح النقاش على مستقبل أوسلو نفسه. فالترتيبات التي قامت عليها السلطة كانت تفترض مسارا انتقاليا ينتهي إلى تسوية سياسية او دولة مفترضة، بينما تتحرك "إسرائيل" اليوم في اتجاه مختلف تماما. فإذا كان المسار الذي نشأت داخله السلطة قد اجهز عليه الاحتلال الإسرائيلي من عند آخره، فهل يكفي تجديد المؤسسات التي ولدت داخله من دون مراجعة مبرر وجودها ووظيفتها، وما هو دورها المفترض في المرحلة المقبلة؟

وفي غزة السؤال أكثر تعقيداً، فإعادة الإعمار والإدارة والأمن، كلها عناصر يدور حولها الصراع على مستقبل القطاع، بينما تستمر "إسرائيل" بالعدوان وتحتل بالقوة العسكرية أجزاء واسعة من غزة، وترفض الانسحاب، وتربطه بشروط تسلسلية لا تنتهي. لذلك لا يمكن فصل الانتخابات عن سؤال مستقبل غزة بعد الحرب، وطبيعة السلطة التي ستتولى هذه المهمة، وعلاقتها بباقي النظام السياسي الفلسطيني.

ثم كيف يمكن إقناع الغزي الذي يعيش نتائج حرب الإبادة بأن سؤال الانتخابات بصيغته الحالية سيؤثر في تغيير واقعه أو يقدم جوابا عن مستقبله؟ وكيف نقنع الفلسطيني في الضفة، الذي يرى أرضه تتقلص تحت الاستيطان والمصادرة والطرق والحواجز والاجتياحات وهدم البيوت وتشريد المخيمات، بأن المشكلة الأساسية هي إعادة انتخاب مجلس تشريعي او وطني؟ وماذا نقول للمقدسي الذي يخوض معركة يومية على وجوده، أو للاجئ أو الفلسطيني في أراضي 48 الذي لا يجد نفسه أصلا داخل هذه العملية السياسية؟

هذه الأسئلة لا تنفي أهمية الانتخابات، لكنها تكشف حدودها وعجزها عن تشكيل مدخل أو عنوان جامع للتعامل مع المرحلة. فالمأزق الفلسطيني أوسع من أزمة تداول سلطة. هناك أزمة مشروع وطني وأزمة تمثيل وأزمة قيادة، وتباين بين القوى الوطنية حول الدور والوظيفة السياسية للمؤسسات الفلسطينية، وفوق ذلك كله هناك بيئة إقليمية ودولية تغيرت بصورة عميقة، فيما تتحرك إسرائيل أكثر فأكثر وفق منطق حسم الصراع في كل الجبهات، ومع ذلك ما زال النقاش الفلسطيني، في جانب كبير منه، يدور حول مؤسسات وصيغ نشأت داخل مرحلة مختلفة.

لهذا ما نحتاج اليه في هذه المرحلة هو حوار وطني جدي وواسع توضع فيه القضايا الأساسية كلها على الطاولة. لكن شعار الحوار لا يكفي وحده، فقد أثبتت التجربة أن المشكلة تتمثل في وجود سلطة تحتكر شرعية التمثيل والقرار، وتهمش دور بقية القوى والشخصيات والتيارات ولا تشركهم في تحديد الاتجاه الوطني او صنع القرار.

لذلك فالرهان على تراجع هذه البنية تلقائيا عن احتكارها للقرار، أو على تفاعلها إيجابيا مع أي دعوة للحوار لا يبدو واقعيا. فتداخل مؤسسات السلطة والمنظمة والأجهزة ومصالح ومراكز القوة فيها، يعطل أي محاولة لتغيير الوضع القائم، لذلك فإن أي حديث عن حوار وطني يظل ناقصا ما لم يقترن ببناء قوة سياسية واجتماعية قادرة على فرضه.

وهذا يتطلب تشيكل كتلة أو جبهة وطنية حقيقية وواسعة، تضم القوى السياسية والشخصيات والنخب والمؤسسات والفاعلين المعترضين على نهج السلطة في مختلف أماكن تواجد الفلسطينيين، بحيث تنتظم هه القوى حول مطالب واضحة تتعلق بإعادة بناء التمثيل والقيادة والمشروع الوطني، وتمارس ضغطا سياسيا وشعبيا منظما.

من دون ذلك، سيبقى الحديث عن الحوار والانتخابات وإعادة بناء المنظمة يدور في الفضاء الإعلامي، بينما تستمر السلطة في إدارة العملية وفق الشروط التي تضعها هي، وتمضي في قراراتها، وليعترض من يعترض. وهذا سيحول الانتخابات بطبيعة الحال إلى أداة تستخدمها السلطة لتجديد شرعيتها، بدلا من أن تكون مدخلا لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس صحيحة.