دون أن تكون أسيرًا لنظرية المؤامرة ستعلم باستقراء التاريخ ومتابعة تطورات الحاضر، أن كلَّ ما يموج بالأمة من مخاضات مزلزلة سيكون انعكاسه سلبًا أو إيجابًا في فلسطين وفي القدس تحديدًا وعند المسجد الأقصى خصوصًا،
حيث تتجمع وتصب جهود الأعداء والمحتلين ولا تغيب عنه مهما كانت سخونة الجبهات والملفات، وحيث تتفرق جهودنا وتتشتت وحدتنا ودويلاتنا إلى مزق لا تقدم ولا تغير في ميزان القوى ولا في رسم السياسات.
من الطبيعي بل ومن الولاء أن تشغلنا هموم بلادنا وتستهلك قوانا في محاولة إصلاحها ونهضتها، ولكن من غير المقبول أن تغيب البوصلة والرؤية الأوسع والخطة الاستراتيجية؛ فنكون كمن يتحرك في مكانه بجهد ضائع ومحصلة صفرية.
إن العمل للقدس لا يجب أن يغيب عن العرب والمسلمين مهما كانت الظروف، بل يجب أن يكون الثابت الوحيد ضمن كل المتغيرات، فكما أن الدول الكبرى تضع سياساتها بأولوية حماية أمن «إسرائيل»، فعلى الشعوب، إن كان الأمل مفقودًا في الحكومات والأنظمة، ألا تغفل عن المشروع الكبير الإسلامي والوحدوي في تحرير القدس والمقدسات، بل وتنظر إلى قوة الدول القطرية كرصيد في مخزون التحرير.
لم يغب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برغم هموم نشر الدعوة وإقامة الدولة، الامتداد الديني والشرعي لدولة المدينة ومكة في القدس؛ فذهب بنفسه فاتحًا وشجع المسلمين وأرسى دعائم القدسية في القرآن والسنة، ومات وهو يمهد لفتح الشام، بل كان جلاء همّه لما ضاق بتكذيب قريش نظرة من بيت المقدس، فقال: "لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلّى الله لي بيت المقدس"، فكانت القدس جلاء همه عليه الصلاة والسلام وجلاء بصره وتصديق قوله، ونحن الآن تعصف بنا أمراض النفس والقلب وبين أيدينا دواء نبوي موصوف لجلاء الغم والحزن ببذل شيء من الجهد والهمة للقدس، وبرهان النتائج حاضر أيضًا أمام أعيننا، أما نرى إسباغ الهدوء والسكينة وثبات الجنان على المقدسيين المرابطين بقوة الإيمان فقط، وما هذا إلا من تجليات البركة المعنوية والمادية التي نفتقدها نحن ونحتاجها في كل جزئية من حياتنا.
لقد ضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت وكيفما طُفنا وجدنا انتهاكًا واستضعافًا واستبدادًا وبلغت قلوب المظلومين حناجرهم وما من طاقة أمل تستوجب العمل الدؤوب لها؛ إذ بها وعد صدق محقق وضمانة إلهية مثل القدس، وما أشبه اليوم بالأمس، فعن شداد بن أوس أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: "مَالَكَ يَا شَدَّادُ؟ قَالَ: ضَاقتْ بِيَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ، إِنَّ الشَّامَ يُفْتَحُ، وَيُفْتَحُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، فَتَكُونُ أَنْتَ وَوَلَدُكَ أَئِمَّةً فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، والوعد ليس لشداد منفردًا، إنه لكل الطائفة التي بشر واستبشر الرسول باستمساكها بالحق إلى قيام الساعة في بيت المقدس وأكنافه.
إن الإيمان بلا عمل للقدس يسقم النفس والفرد قبل أن تتأثر به الأمة، إن العمل للقدس هو عامل صحة نفسية ورسوخ إيمان وتثبيت حق ولقد صدق الرافعي عندما نصح الشباب فقال: يا شباب العرب، إن كلمة (حقي) لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها.
لا حياة للروح إلا بفكرة، ولا حياة للجسد إلا بالعمل لها، فضع همك في القدس ينجلِ، وضع همتك للقدس ترتقِ.

