الكاتب: د.صبري صيدم
في عرض مجنون أبهر عقول البشرية قاطبة، قدم إيلون ماسك قبل أيام، نسخته الجديدة من سيارته الكهربائية الشهيرة تسلا، بعد سنوات من الحضور الممهور بالانتقادات والتنّمر والتعثر الذي ارتبط بالرجل قبل مركبته. تنّمر تعمق مع دخول ماسك إلى عالم السياسة في شراكة الحب والكراهية التي جمعته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما شابها من مد وجزر، ليضاف إليها اجتياح سوق المركبات الكهربائية من قبل الصين العظمى، التي كادت أن تطيح بشركه تسلا وتقضي على إمكانية بقائها وإبقاء ماسك بلحمه وعظمه، على قيد الحياة في السوق العالمية وبورصات المال.
أمام هذا الحال قرر ماسك، حسب ما هو واضح، أن يأتي بفكرة مجنونة، كما اعتدنا عليه، حتى يعيد الأضواء لذاته ولأحلامه ولمشروعاته، فرأينا النسخة الجديدة من تسلا، ليبرهن رجل الأحلام من جديد على أن من يستثمر في جنون التكنولوجيا، ربما يستحوذ على اهتمام البشر حول العالم. لذا جاء ماسك وعبر مؤتمر صحافي محكم الترتيب، ليقدم وشركته تلك المركبة، التي تحمل محركات نفاثة تستطيع ان ترتفع من خلالهما عن الأرض، وتنتقل الى مكان آخر، إضافة إلى إنقاذ من فيها من ركاب في حال تعرضهم لحادثة سير ما، وهو ما يساهم في تفادي الانقلاب على سقفها، ولتعود بدفع من تلك المحركات، إلى وضعية الركن الاعتيادي.
بهذه الفكرة المجنونة نجح ماسك في خطف أنظار العالم، كما نجح على ما يبدو وعبر خطة مبيتة، في توظيف التندر على تلك المركبة ليصبح وسيلة للشهرة، إذ لم يبق تقريبا قطاع في هذا العالم، أو شركة ما تبحث عن إشهار منتجاتها، إلا وقدمت منتجها على شكل سيارة ماسك، مستخدمه الذكاء الاصطناعي، وأفلام التحريك الثلاثي الأبعاد، وسيناريوهات فكاهية لا حصر لها، للترويج لتلك المنتجات، بما فيها الكنافة النابلسية الشهيرة، الأمر الذي حقق لهذه المركبة ولماسك، شهرة قياسية لم يسبقهم أحد إليها، مدعومة بحملة تندر عالمية منقطعة النظير.
وفي السياق ذاته، وفّر هذا الجنون مساحة شهرة ضخمة ودعاية مجانية غير مسبوقة، لم تتجاوز توقعات ماسك فحسب، وإنما وفرت عليه مليارات من الدولارات في الدعاية والترويج. في المقابل وفي مكان آخر من العالم، رأينا بنيامين نتنياهو يحاول بشتى السبل أن يتمسك بمقعده الحكومي، بعد أن يعاد انتخابه في برلمانه، رغم إقراره بصعوبة ذلك، فسارع الخطى خاصة في الآونة الأخيرة وبشتى السبل لتجاوز عقارب الساعة، في محاولة حصاد أكبر قدر من الأصوات، بعد أن تحظى دعايته البائسة بانتباه ناخبيه بمن فيهم أولئك المترددون.
بين سيارة ماسك المجنونة ورعاية نتنياهو لعدوان المستوطنين، رأينا فارقاً كبيراً في الهدف والمضمون والوسيلة، خاصة باعتماد نتنياهو على التنكيل، والحرق، والضغط وسرقة المحاصيل ومهاجمة المتضامنين والإعلاميين وحتى الدبلوماسيين. مواقف عززها نتنياهو باستمرار الحرب في غزة، والتلويح بالحرب على إيران، ودق طبولها، وصولاً إلى توظيف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ليحتل أمام ضغط إدارته واللوبي المتطرف في واشنطن، موقع الناخب الأول لنتنياهو.
لذلك رأينا فارقاً كبيراً بين من يوظفون العلم والتكنولوجيا والجنون الإبداعي الاستعراضي، وأولئك الذين يستثمرون في الموت والاحتلال. فارق مهول يعكس حجم اختلال الموازين بين حكومة الاحتلال وآخرين ممن لا يعتبرون استمرار الاحتلال ومصادرة حريات الناس وقتل أحلام أبنائها أموراً تقبلها البشرية في القرن الواحد والعشرين، فما بالكم عندما توثق كل هذه الانتهاكات أمام عدسات الكاميرات وأعين الناس في وضح النهار، ليعود نتنياهو للإصرار على الاستمرار فيها وفي هذا النهج برمته، وعدم الإذعان لإرادة العالم، ولا الأخذ برأي البشرية والدول والبرلمانات الدولية، فيقابل كل ذلك بالتمادي بشكل لم يشهده التاريخ الآدمي.
وبهذا رأينا في أسبوع واحد إيلون ماسك الذي حاول على مدار عقود من الزمن، أن يملأ الدنيا ويشغل الناس، خدمة لأغراضه التجارية من جهة، وحكومة تنتظر الانتخابات وتستميت للترويج لذاتها ضمن الأدوات آنفة الذكر من جهة أخرى، وهو ما يعكس خللاً خفياً خطيرا، واستهتاراً مشهوراً بقيم البشرية وبصورة متواصلة على مدار الساعة، فهل تنتصر أخلاق الناس ذات يوم، أم يستمر جنون العظمة فتسيطر الذاتية والطموحات الشخصية على نزوات البعض وأحلام يقظتهم المتواصلة؟ ننتظر ونرى.
المصدر: القدس العربي
