يواجه قطاع الزيتون في قطاع غزة، الذي طالما شكل الركيزة الأساسية للاقتصاد الزراعي وسلسلة قيمة متكاملة تعيل آلاف الأسر، تحولاً حاداً وأزمة غير مسبوقة خلال العام الجاري. وكشفت أحدث البيانات الصادرة عن وزارة الزراعة والمكتب الإعلامي الحكومي عن انهيار واسع طال جميع حلقات السلسلة الإنتاجية، متسبباً في تراجع حاد للمساحات المزروعة والإنتاج والفرص التشغيلية، فضلاً عن تعميق الفجوة في الأمن الغذائي المحلي.
تُظهر البيانات الرسمية انكماشاً هائلاً في المساحة المزروعة بالزيتون، حيث تراجعت من 50 ألف دونم إلى نحو 5 آلاف دونم فقط، مما يعني فقدان قرابة 90% من الأراضي المنتجة. وتكتسب هذه الأرقام خطورة بالغة بالنظر إلى أن الزيتون كان يستحوذ على 55% من مساحة البستنة الشجرية و27% من إجمالي الإنتاج النباتي في القطاع. كما انخفض عدد الأشجار المثمرة من مليوني شجرة إلى 150 ألف شجرة فقط، وهو ما يمثل ضربة قاسية للقاعدة الإنتاجية ستسحب أثرها على السنوات القادمة نظراً للزمن الذي تحتاجه الأشجار الجديدة للوصول إلى مرحلة الإثمار الاقتصادي.
وانعكس هذا التراجع الأفق على كميات المحصول، حيث هبط إنتاج ثمار الزيتون من 40 ألف طن سنوياً إلى نحو 5 آلاف طن فقط، موزعة بين 4 آلاف طن للعصر وألف طن للتخليل، ليفقد القطاع نحو 87.5% من إجمالي إنتاجه السابق. أما على صعيد زيت الزيتون، فقد تراجع الإنتاج من 5 آلاف طن إلى نحو 700 طن فقط، مما خلق عجزاً وفجوة في الاكتفاء الذاتي تجاوزت 85%، مُحولاً المحصول من عنصر تعزيز للأمن الغذائي إلى أزمة توفر في أحد النماذج الغذائية الأساسية للسكان.
ولم تتوقف الأضرار عند حدود المزرعة، بل امتدت لتضرب المنشآت الصناعية والخدمية المرتبطة بالقطاع. فقد تراجع عدد معاصر الزيتون العاملة من 40 معصرة إلى 7 معاصر فقط، وانخفضت خطوط العصر من 68 إلى 15 خطاً، مما أدى إلى هبوط القدرة التشغيلية من 150 طناً في الساعة إلى 25 طناً فقط. وفي قطاع التخليل والتصنيع، انخفض عدد المصانع من 14 إلى 3 مصانع، وتراجعت طاقة التخليل من 1500 طن إلى 200 طن، وسط توقف شبه كامل لعمليات التسويق والتصدير.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، انخفض عدد المزارعين المرتبطين بالقطاع من 20 ألف مزارع إلى ألف مزارع فقط، وتراجع عدد العمال من 3 آلاف إلى نحو 200 عامل، مع تسجيل انحسار لافت في مشاركة النساء في عمليات القطف والفرز والتصنيع المنزلي. ونتيجة لهذا الخلل العميق بين العرض والطلب، قفز متوسط سعر كيلو الزيتون من 5 شواكل إلى نحو 20 شيكلاً، بينما ارتفع سعر تنكة الزيت من 500 شيكل إلى مستويات قياسية تقارب 1500 شيكل.
وتتفاقم الأزمة بفعل عقبات تشغيلية معقدة تواجه ما تبقى من المنشآت، تشمل النقص الحاد في المدخلات الزراعية وارتفاع أسعارها، وعدم توفر قطع الغيار اللازمة لصيانة خطوط العصر، وارتفاع تكاليف الطاقة والسولار والزيوت الصناعية. وتؤكد التقارير الحكومية أن معالجة هذا الواقع تتطلب تجاوز فكرة اقتصار الدعم على توزيع الأشتال، والذهاب نحو برنامج شامل لاستعادة سلسلة القيمة بكاملها عبر توفير التمويل، وتسهيل دخول قطع الغيار والمدخلات، ودعم تكاليف التشغيل، لإعادة نبض الحياة لهذا القطاع الحيوي ضمن رؤية شاملة للتعافي الاقتصادي.
