الكاتب: وسام المقوسي
لم يعد التقارب بين حركة «حماس» و«التيار الديموقراطي» في حركة «فتح» (محمد دحلان) حديثاً عابراً يُوضع في خانة الاتصالات الفلسطينية. فالاجتماع المنعقد مؤخراً بالقاهرة جاء في لحظة سياسية حساسة، تتقاطع فيها ترتيبات اليوم التالي بغزة مع الحديث عن الانتخابات ومستقبل الحكم وشكل النظام السياسي في ظل الواقع الراهن.
وبحسب الإعلان، بحث اللقاء ترتيب البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والديموقراطية، وإنهاء التفرد بالقرار الوطني، وصياغة استراتيجية شاملة مع التوافق على استمرار التعاون. سبق ذلك إعلان القيادي في «حماس» حسام بدران أن الحركة تبحث تشكيل تحالف وطني واسع لخوض الانتخابات بمشاركة قوى وفصائل وشخصيات مستقلة.
ولذلك، الأهم الآن ليس الحكم على التقارب، وإنما فهم ما وراءه وتوقيته، فهل دفعت تداعيات الحرب وتحولاتها الخصوم إلى إعادة قنوات التواصل، تمهيداً لتقاربٍ فرضته ضرورات المرحلة ومتغيراتها؟ وهنا تتحدد أهمية التقارب في اتجاهين: إما أن يشكل بداية لتجاوز الانقسام وبناء شراكة وطنية بتشكيلات أوسع، وإما يتحول إلى إعادة ترتيب للتحالفات استعداداً لمرحلة سياسية وانتخابية جديدة فرضتها الحاجة للطرفين، من دون معالجة جوهر الانقسام، بما قد ينتج خريطة سياسية مختلفة عن سابقاتها.
ومن المعروف أن الخصومات السياسة ليست أبدية، وكذلك التحالفات. فـ«حماس» قررت المضي في تحالفها الراهن، رغم أنه مع شخصية تُعد من أبرز خصومها التاريخيين داخل «فتح»، إذ شغل دحلان سابقاً رئاسة جهاز الأمن الوقائي، وهو الجهاز الذي قاد مواجهات خطيرة وحملات اعتقال واسعة ضد كوادر حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» آنذاك.
إذاً، كيف استطاعت «حماس» بدء صفحة جديدة مع أحد خصومها التصاقاً بتلك المرحلة، بينما بقيت عاجزة عن الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة مع رئيس السلطة محمود عباس؟ فإذا كان تجاوز الخصومات ممكناً عندما تفرض المرحلة ذلك، فإن هذا المبدأ يُفترض أن يكون عاماً لا انتقائياً. واللحظة الفلسطينية الحالية، بما تحمله من تحديات، لا بد أن تدفع مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في حساباتها السابقة، لا أن تفتح باباً أمام تفاهمات بين أطراف وتبقي بقية الخلافات على حالها مع أطراف أخرى.
«الجهاد الإسلامي» .. مفتاح لفهم التحولات الجديدة
ومع تزايد التقارير عن مشاورات لتشكيل تحالف انتخابي يضم «حماس» وتيار دحلان، مع إمكانية انضمام حركة «الجهاد الإسلامي» وقوى وشخصيات أخرى، فإن المشهد يتجاوز التفاهم الثنائي، ويبدو أن «الجهاد» أحد أهم مفاتيح فهم التحول الجاري بالمشهد الفلسطيني، ليس لكونها طرفاً محتملاً، إنما لأن موقفها من المشاركة يكشف طبيعة الواقع السياسي الذي قد يتشكل للمرحلة المقبلة.
ولفهم الفرق بين مشاركة «الجهاد» مع «حماس» في «طوفان الأقصى» واحتمال مشاركتها الانتخابات هذه المرة، من المهم العودة إلى سياق المعركة نفسها، بوصفها مواجهة مع الاحتلال، العنوان الذي يشكل أرضية مشتركة بين «حماس» و«الجهاد». من هذه الزاوية، من الصعب تصور خوض «حماس» مواجهة بهذا الحجم وحدها، بينما تقف «الجهاد» متفرجة، فانخرطت بالمعركة بلا حسابات، وأصبحت ركيزة، مع تمكن جناحها العسكري «سرايا القدس» من أسر عشرات الجنود والمستوطنين، إلى جانب خوض مقاتليها معارك برفقة «القسام» والفصائل الأخرى.
ومشاركة «الجهاد» في المعركة، لا تعني بالضرورة التوافق مع «حماس» في التفاصيل الأخرى، كالمشاركة في الانتخابات. المعركة فرضت على الطرفين مساحة واسعة من التقاطع، وجعلت المشاركة خياراً تفرضه طبيعة المواجهة؛ لكن المعادلة تختلف اليوم. فالانتقال من ميدان المقاومة إلى ميدان الانتخابات ليس مجرد تغيير في الأداة، وإنما انتقال لمساحة سياسية مختلفة تماماً، لم تكن في أي مرحلة في صلب اهتمامات «الجهاد»، بل إنها نأت بنفسها عن المشاركة كونها من إفرازات اتفاق أوسلو.
لذلك، فإن استحقاق المشاركة بالانتخابات يخضع لحسابات وتوازنات مغايرة تماماً؛ إذ يصطدم بشكل النظام السياسي، وآليات صناعة القرار الوطني، ومصير سلاح المقاومة، وصولاً إلى كواليس التعامل مع الاحتلال وشروط المجتمع الدولي واستحقاقات الشرعية. ومن هنا يكتسب موقف «الجهاد» وحضورها في أي تحالف انتخابي محتمل، أو حتى المشاركة الفعلية بالانتخابات، أهمية خاصة، لأنه قد يكون تعبيراً عن قراءة جديدة لمرحلة ما بعد الحرب. لكن حتى اللحظة، موقف الحركة لا يشير إلى أنها ستكون جزءاً من الانتخابات المقبلة، وهو ما يجعل الحديث عن مشاركتها في أي تحالف سابقاً لأوانه.
لكن تنبع تساؤلات حول خيارات «الجهاد» للتعاطي مع المشهد الانتخابي؛ فهل تختار التموضع داخل هذه المعركة لتُشكل سابقة تاريخية في مسيرتها؟ أم تمتلك تصورات بديلة في حال قررت العزوف عن خوض المنافسة المباشرة؟ هذا السيناريو الأخير ما ألمح إليه نائب الأمين العام للحركة، الدكتور محمد الهندي، بتأكيده عدم تقديم مرشحين باسمها، بل ستتجه نحو دعم أي قائمة وطنية يُتوافق عليها. ويحمل هذا التوجه مؤشراً على رغبة الحركة في الحضور الفاعل عبر دعم شخصيات تربطها بها صلات أو تقاطعات سياسية مشتركة، دون تحمل التبعات المترتبة على الانخراط الرسمي، مما يمنحها مساحة للمناورة والحركة، ويجنبها الأسئلة والضغوطات التي ترافق قرار الدخول، سواء من قاعدتها الشعبية، أو من قبل الأطراف والقوى الأخرى.
ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الاحتمالات من زاوية المشاركة الانتخابية وحدها لا يكفي لفهم ما يجري؛ فالمسألة تتجاوز التساؤل حول موقف «الجهاد». فما قبل «طوفان الأقصى» ليس كما بعده؛ إذ أفرزت المرحلة تحولات عميقة في طبيعة الصراع مع الاحتلال، ولذلك ينبغي على مختلف القوى إعادة النظر في المواقف والحسابات، وربما المرتكزات المعمول بها لسنوات باعتبارها ثوابت غير قابلة للمراجعة لأن الواقع المفروض يحتاج إلى مقاربات وإجابات تتعامل مع المتغيرات، وقد يكون من غير المقبول الاكتفاء بإعادة إنتاج التوجهات السابقة. وهذا لا يعني بالطبع التخلي عن المبادئ بقدر ما يعني امتلاك القدرة السياسية على قراءة واقع جديد.
وعليه، فإن توجه «الجهاد» نحو المشاركة في الانتخابات، إن حدث، يُقرأ باعتباره نتيجة طبيعية لرؤية سياسية جديدة للمرحلة، وليس مجرد تغيير لموقفها أو تخلياً عن ثوابتها، وهو ما يعطي هذا الخيار سياقاً منطقياً لفهمه ضمن تحولات ما بعد «الطوفان».
كما أن تحالف «حماس» وقوى أخرى في قائمة انتخابية واحدة لا يكفي لإنتاج واقع فلسطيني جديد؛ لأن إدارة المرحلة تتطلب تفاهمات أوسع بين القوى دون استثناء. أما جمع أسماء مختلفة في قائمة، لا يعني أن الخلافات قد انتهت أو أن اتفاقاً سياسياً شاملاً قد تم.
وهنا تبرز المشكلة الأكثر تعقيداً وهي: "إسرائيل".. فموقف نتنياهو تجاه مستقبل غزة هو رفض عودة «حماس» لإدارة القطاع، وعبّر مراراً عن رفضه لأي صيغة تعيد سيطرة الحركة. ولذلك، المسألة لا تتعلق بما إذا كانت "إسرائيل" ستعترف بالنتائج، بل بما إذا كانت ستقبل أصلاً بعملية سياسية وانتخابات بغزة؛ فمنعها من قبل الاحتلال متوقع، وتأجيلها من قبل الرئيس عباس وارد. وهنا تصبح الانتخابات جزءاً من الصراع، لا مجرد أداة لحسم الخلاف أو شأناً داخلياً فلسطينياً. خصوصاً إذا أفرزت الانتخابات قيادة لا تتوافق مع رؤية إسرائيل.
«حماس» واللقاء بالمبعوث الأميركي
في خضمّ ذلك، لا يمكن فصل ما سبق عن لقاء قيادة «حماس» بالمبعوث الأميركي جاريد كوشنر بمصر، وجاء ضمن التحرك الأميركي لدفع ترتيبات المرحلة المقبلة بغزة. فقد التقى كوشنر بالقاهرة رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الدكتور خليل الحية، قبل توجهه إلى الكيان للقاء بنيامين نتنياهو. وبحسب ما نقلته مصادر، تناول اللقاء خطة غزة والمرحلة الثانية من ترتيبات وقف إطلاق النار، إلى جانب القضايا المرتبطة بمستقبل القطاع ونزع السلاح وترتيبات الإدارة المقبلة.
لكن تزامُن اللقاء مع انفتاح الحركة على تحالف انتخابي واسع، وحوارها مع تيار دحلان، يجعلان من الصعب فصل هذه التطورات عن النقاش الأوسع حول مستقبل غزة وإمكانية إعادة دمج «حماس» بالعملية السياسية. وقد يكون ما يجري جزءاً من حراك عربي وإقليمي ودولي حول الصيغة التي تشارك عبرها، ومعها فصائل أخرى، في النظام السياسي المقبل، دون أن يعني ذلك حسم مسار محدد أو اتفاق أطرافه على تفاصيله.
والأهم أن دخول «حماس» الانتخابات مجدداً لن يكون مشاركة عادية، بل تحولاً يفرض التعامل مع ملفات معقدة؛ وهنا يبرز احتمال انتقالها من حكم غزة المنفرد إلى الشراكة بقيادة محمد دحلان، وهو خيار قد يشترط إعادة تنظيم السلاح، ارتداداً لطبيعة التفاهمات والتحالفات الحاصلة؛ سواء عبر توافق فلسطيني داخلي، أو عبر ترتيبات موازية تتقاطع معها قوى فاعلة في المشهد (دحلان جزء منها).
موقع «فتح» وعباس في التحالفات
وفي قلب المشهد، يبقى موقع حركة «فتح» والرئيس محمود عباس أساسياً في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني. صحيح أن التقارب بين «حماس» ودحلان يفتح باباً لتجاوز خلافات الماضي، لكن التقاطع مع تيار دحلان لا يعني مصالحة مع الحركة التي يتزعمها عباس. وهنا المسألة لا تتعلق بإمكانية توسيع المسار ليشمل الطرفين، وإنما بمدى استعداد «حماس» و«فتح» للذهاب نحو تسوية حقيقية؛ فالمطلوب ليس استبدال تحالف بتحالف، أو خصومة بأخرى جديدة، وإنما بناء تفاهم أوسع يضم مختلف القوى ويضع أسساً واضحة لإدارة المرحلة المقبلة. وإذا كانت الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء الشرعية، فمن المفترض أن تكون فرصة لإنهاء الانقسام، لا وسيلة لإعادة إنتاجه بصورة جديدة. ولذلك يجب التمييز بين التقارب المحدود وبين المصالحة بمعناها الأوسع.
ولهذا، من المبكر الحكم على مآلات ما يجري، وبعيداً عن التشاؤم فإن المؤكد أن المشهد الفلسطيني يتحرك في اتجاه جديد؛ فالتقارب بين «حماس» ودحلان، وانفتاح «الجهاد» على المشاركة المحتملة بالانتخابات، كلها تطورات يمكن أن تفتح فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وأن يكون اليوم التالي لحرب غزة فلسطينياً. لكن هذه الفرصة لن تكون ذات معنى إذا انتهت لمجرد تشكيل للاصطفافات. فالقيمة الفعلية لما يجري ستكون في فتح الباب أمام تفاهم أوسع وشراكة وطنية، تضم «فتح» و«حماس» و«الجهاد» وعباس ودحلان وبقية القوى الفلسطينية.
