أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء إعلان “مجلس السلام” توجهه لإنهاء دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في قطاع غزة، مؤكدًا أن ذلك يشكل تجاوزًا غير قانوني بالغ الخطورة لتفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أنشأت الوكالة عام 1949، ومحاولة لتقويض ولايتها الأممية بوصفها تجسيدًا للمسؤولية الدولية المستمرة تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين، بما يمهد لتصفيتها تحت غطاء إعادة الإعمار والاستقرار.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم الخميس إنّه تابع باستهجان شديد ما نشره “مجلس السلام” على حسابه الرسمي على منصة “إكس”، من أنه “لا مكان لأونروا في غزة الجديدة”، وأن الوقت حان لـ”طي صفحة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع”، معتبرًا أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن حاجة سكان غزة إلى المساعدات ليست ثقافة اعتماد، بل نتيجة مباشرة للاحتلال والحصار والتجويع والتدمير الواسع لمقومات البقاء.
وأكد الأورومتوسطي أن الحديث عن “طي صفحة الصراع” عبر استبعاد “أونروا” يمثل إنكارًا فجًا لحقيقة أن جذور القضية، وفي مقدمتها اللجوء والاحتلال والحرمان من حق العودة وتقرير المصير، ما تزال قائمة، وأن تصفية الشاهد الأممي على قضية اللاجئين لا تنهي النزاع، بل تعمّق أسبابه وتكرس الظلم الذي نشأ عنه.
وشارك المجلس تعليقًا لممثل الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح، “جيفري أ. بارتوس”، صوّر فيه المسألة على أنها خيار بين تمويل “أونروا” بوصفها، على نحو تحريضي ومضلل، أداة لـ”التحريض والإرهاب والجمود”، أو تمويل مجلس السلام الذي زعم أنه يمنح سكان غزة “طريقًا نحو السلام والازدهار”.
واعتبر الأورومتوسطي أن هذا الطرح يقوم على ثنائية زائفة وخطيرة، إذ يحوّل تمويل الإغاثة الإنسانية من التزام دولي تجاه اللاجئين والسكان المدنيين إلى مدخل لنزع الشرعية عن أونروا وتشويه ولايتها الأممية، ويتجاهل أن الطريق إلى السلام لا يمر عبر تصفية ولاية أممية مرتبطة بجوهر قضية اللاجئين الفلسطينيين، بل عبر إنهاء الاستعمار الاستيطاني وتفكيك أدوات السيطرة والقمع المرتبطة به، وفي مقدمتها الاحتلال العسكري غير القانوني، ونظام الفصل العنصري، والحصار، وضمان المساءلة وصون الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
ورأى المرصد الأورومتوسطي أن خطورة هذا الخطاب لا تقتصر على عدائه الصريح للأونروا، بل تمتد إلى ما يكشفه من مرجعية سياسية وقانونية تتناقض مع القانون الدولي لدى “مجلس السلام”؛ إذ يتعامل مع ولاية أممية أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وجددتها الدول الأعضاء بوصفها عائقًا يجب إزالته، لا التزامًا دوليًا يجب احترامه وتمكينه.
ونبّه الأورومتوسطي إلى أنّ تبني المجلس روايات إسرائيلية تحريضية ومفندة ضد “أونروا”، بدل الاحتكام إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يؤكد أنه، بصيغته المطروحة، ليس إطارًا محايدًا لحماية المدنيين أو إعادة الإعمار، بل أداة سياسية منحازة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني وفق شروط القوة القائمة بالاحتلال، وعلى حساب حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
وأضاف أنّ الخطاب الصادر عن “مجلس السلام” لا يمكن فصله عن حملات التحريض والاستهداف الإسرائيلية ضد “أونروا”، بل يشكل امتدادًا سياسيًا لها ومحاولة لإضفاء شرعية زائفة عليها، عبر إعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية التي تستهدف تقويض مكانة الوكالة القانونية والسياسية ودورها المرتبط بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.
وشدد "الأورومتوسطي" على أنّ “مجلس السلام”، برئاسة الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” وبصيغته المطروحة، لا يملك أهلية قانونية أو أخلاقية لإعادة رسم الإطار الأممي الناظم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، مؤكدًا أنّ أي دور محتمل للمجلس يجب أن يبقى خاضعًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الشعوب غير القابلة للتصرف، ولا يمكن أن يمتد، تحت أي صيغة أو مسمى، إلى تجاوز قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو إنهاء ولاية منظمة أممية أنشأتها الجمعية العامة وجددتها قبل ستة أشهر فقط بدعم ساحق من الدول الأعضاء.
وشدد المرصد على أن الحديث عن “غزة جديدة بلا أونروا” لا يمكن فصله عن محاولة مكافأة "إسرائيل" على استهدافها المنهجي للوكالة ودورها، بدل مساءلتها عن الجرائم التي ارتكبتها، بما في ذلك الإبادة الجماعية، موضحا أن “أونروا” تشكل، بحكم ولايتها وخبرتها وبنيتها المؤسسية، العمود الفقري لشبكة خدمات عامة أساسية لنحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني، مذكّرًا بأنّ الوكالة أُنشئت بتفويض صريح من الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 302 لعام 1949، لتعمل في مناطق عملياتها الخمس: قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا.
وأكد أن هذا التفويض الأممي، الذي جُدد مؤخرًا حتى عام 2029، يربط بصورة عضوية بين تقديم الحماية وشبكة الأمان الإنساني للاجئين الفلسطينيين، وبين استمرار المسؤولية الدولية إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 194.
وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والدول الأعضاء في الأمم المتحدة برفض أي محاولة لتقويض ولاية “أونروا” أو إنهاء دورها في قطاع غزة أو استبدالها بترتيبات سياسية موازية تنتقص من مكانتها الأممية وتفصل عملها عن جوهر قضية اللاجئين الفلسطينيين، والتصدي لحملات التحريض المنظمة ضد الوكالة، داعيا إلى الوفاء الكامل بتعهداتها المالية تجاه “أونروا”، ورفض أي خطاب يربط التمويل الإنساني بمشاريع سياسية بديلة أو مشروطة، مؤكدًا ضرورة ضمان دخول آمن وفوري لموظفي الوكالة الدوليين إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، وحماية منشآت الوكالة وامتيازاتها وحصاناتها، وتمكينها من استئناف عملها الإنساني بصورة كاملة في قطاع غزة.
جدير بالذكر، أن 391 من موظفي الوكالة الأممية والعاملين معها قُتلوا، وتضررت أو دُمرت 312 منشأة تابعة لها، كما كنعت حكومة الاحتلال الإسرائيلي موظفي "الأونروا" الدوليين من دخول الأرض الفلسطينية المحتلة منذ نحو 18 شهرًا، كما استولت بشكل غير القانوني على مقرها الرئيسي في القدس الشرقية المحتلة وتجريفه وإحراقه في يناير/كانون الثاني 2026، في تحدٍ صارخ للنظام الدولي وانتهاك جسيم لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها وممتلكاتها.
