الكاتب: عز الدين إبراهيم
لعل الانطباع الأساسي الذي يخرج به الباحث وهو يتتبع سيرة رمضان عبد الله شلح، في ذكرى رحيله السادسة، هو شيء من الحيرة والدهشة معا. ويعود ذلك ربما إلى أنه وهو يحاول أن يقترب من الرجل يحمل في ذهنه صورة جاهزة عن قائد فصيل فلسطيني، فإذا به أمام سيرة لا تستقر في حدود هذه الصورة، ولا تمنحه سهولة التصنيف في خانة السياسة اليومية أو التنظيم أو المقاومة. فشلح الذي عرفه الجمهور أمينا عاما لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بعد اغتيال الأمين العام المؤسس فتحي الشقاقي في تشرين الأول/أكتوبر 1995، كان قبل ذلك فتى نشأ في غزة أواسط الستينات، وطالبا فلسطينيا سافر إلى مصر للدراسة، فعاد قائدا تنظيميا وخطيبا في مساجد غزة، ثم طالبا للدراسات العليا في بريطانيا، وبعدها أستاذا محاضرا في جامعات الولايات المتحدة وباحثا في مراكز دراساتها، وكاتبا متخفياً خلف اسم محمد الفاتح في الصحف الفلسطينية، ثم أمينا عاما لواحدة من أبرز حركات المقاومة الفلسطينية في العصر الحديث.
ربما لهذا تبدو الكتابة عنه مربكة بعض الشيء، لأن السياسة تكاد تحجب الرجل كلما حاولت أن تكتشفه، إذ تكمن قيمة شلح الأعمق في ذلك التكوين البطيء الذي جمع المنفى بالفكرة والتجربة، وطوع اللغة في خدمة قضية التحرر الوطني، وجعل من فلسطين المعيار الذي تقاس به الموضوعات كلها.
في تجربة الفلسطيني، كما بدت في مذكرات إدوارد سعيد، يتحول المكان إلى سؤال لا ينتهي. فالفلسطيني تحت الاحتلال يخسر بيته، لكنه يخسر معه أيضا حقه في أن يرسم صورته عن ذاته كما هي، إذ تسبقه الأسماء التي يصنعها الآخرون له، ويغدو مطالبا بأن يشرح ألمه بلغة من شاركوا في صناعة ذلك الألم. يلتقي شلح مع هذا المعنى من طريق آخر. فسعيد دخل إلى الوعي الفلسطيني من باب التمثيل والاستشراق واللغة التي تصنع الشرق قبل أن تعرفه، أما شلح فجاء من غزة، من مكان يختبر فيه الفلسطيني بشكل عملي معنى الاحتلال.
ومع ذلك، فإن المسارين يلتقيان في نقطة دقيقة، الصورة التي يصنعها العالم عن الفلسطيني والكلمات التي تسمى بها أفعاله تتحول، في السياسة، إلى وجه آخر للنكبة المستمرة. من هنا نفهم حساسية شلح تجاه المصطلح، وتجاه ذلك العالم الذي يوظف اللغة لإعادة تعريف كل شيء، ثم يطلب من الفلسطيني أن يبقى داخل الإطار الذي رسمه له.
غزة في سيرة شلح، ستظل الطبقة الأولى التي تظهر في كلامه حتى وهو يتحدث عن الغرب أو الإسلام أو الأمة أو فلسطين أو المقاومة. فهو ابن الشجاعية، ذلك الحي الذي شهد مآثر القادة الأيوبيين في مواجهة الصليبيين ودحرهم عن غزة وكل فلسطين، ترعرع هناك، وقد دارت الدائرة وحل الغزاة فيها مرة أخرى، ففهم وهو في سن مبكرة أن القوة تستطيع أن تغير شكل الحياة، وأنه قد يكبر ويظل العالم يطالبه أن يعتاد نقصا لم يصنعه بيده.
ما يبدو لافتا في حالته، أنه حمل تلك الخبرة الأولى إلى أمكنة متباعدة، فلم تغيره القاهرة بصخبها وازدحامها، أو تحوله بريطانيا إلى باحث مطمئن، وفي أميركا لم يتورط بذلك الإعجاب الساذج بالغرب. كانت فلسطين وغزة على وجه التحديد تتحول معه، في كل محطة، إلى مرآة داخلية، وكأن المكان الأول صار طريقة في الفهم وفي رؤية العالم وترتيب النظر إليه.
في الزقازيق، نهاية السبيعينات، أخذ هذا التكوين صورته الأوضح. هناك التقى فتحي الشقاقي، ويبدو أن اللقاء، كان في أثره اللاحق، دخولا إلى سؤال سيلازمه طويلا: ما موقع فلسطين في وعي الإسلاميين؟ وما موقع الإسلام في وعي الفلسطينيين؟ لم يكن النقاش بين شلح والشقاقي ورفاقهما حول إضافة تنظيم جديد إلى الخريطة الفلسطينية، بقدر ما كان سؤالا حول العطب في ترتيب الأولويات داخل الحركة الإسلامية والوطنية. كان الإسلاميون يملكون خطابا عن الأمة والدعوة والتربية، وعن الإصلاح، لكن فلسطين بقيت في كثير من الأحيان مؤجلة داخل تصور ينتظر اكتمال المجتمع المسلم قبل أن يتقدم إلى سؤال التحرير. وكانت الحركة الوطنية الفلسطينية، في المقابل، قد جعلت فلسطين مركزا سياسيا ونضالياً، لكنها دفعت في بعض مراحلها ثمنا باهظا حين فصلت القضية عن عمقها العربي والإسلامي والحضاري، وتعاملت مع هذا الإرث كتراث وجداني بدون اي قوة تفسيرية او تعبوية. في هذا الفراغ ظهر الشقاقي كمن قلب السؤال. كان الشقاقي، في تلك اللحظة، ينقل فلسطين من موقع التعاطف إلى موقع المعيار، وكان شلح يتشكل داخل هذه النقلة، حتى صار هذا السؤال عنده جزءاً من طريقته في الحكم على كل القضايا.
لم يتعامل شلح مع الشقاقي كقائد أو مؤسس تنظيم حل مكانه بعد الاغتيال، إذ ظل بالنسبة له ذلك الرجل الذي عرفه إلى الإسلام كطريق للانبعاث الحضاري، وربط لديه العقيدة بمسؤولية تاريخية أبعد من الانتساب الوجداني. لذلك تبدو علاقة شلح بالشقاقي علاقة تكوين أكثر من كونها علاقة خلافة تنظيمية. غير أن شلح لم يكن نسخة كربونية من الشقاقي.
الشقاقي عاش زمن الصدمة والتأسيس، زمن صياغة الفكرة في مواجهة غيابها، أما شلح فعاش زمن الامتحان الطويل. وعندما تسلم قيادة الحركة بعد اغتيال مؤسسها ورث امتحانا قاسيا لفكرة فقدت صوتها الأول. كان الشقاقي رجل الومضة المؤسسة، وصاحب القدرة على إطلاق السؤال في لحظة كانت الساحات العربية والفلسطينية مهيأة لسماع لغة مختلفة، أما شلح فقد عاش زمن ما بعد الومضة، ذلك الزمن الذي تدخل فيه الأفكار إلى امتحان العمل التنظيمي واتساع المؤسسات وبناء الجهاز العسكري والإعلامي.
وربما كان هذا هو الفرق الخفي بين الرجلين: الشقاقي بدا كمن يوقظ المعنى، وشلح بدا كمن يحرسه من التبدد في عالم يتقن تفريغ المعاني من داخلها. وهذه حراسة شاقة، لأنها لا تتم في الكتب وحدها، ولا في الخطب والبيانات، وإنما في التحديات المزلزلة التي تضغط على الفكرة كي تكتم صوتها.
الصيغة التي ارتبطت بالتجربة الأولى، الإسلام منطلقاً والجهاد وسيلة وفلسطين هدفاً للتحرير، تبدو عند القراءة السريعة شعارا حركيا مزخرفا، لكنها في سيرة شلح أعمق من ذلك. فهي محاولة لجمع ما فرقته التجربة الحديثة في الوعي العربي والفلسطيني، حيث انكفأ الدين إلى التربية الداخلية، وضاق الوطن داخل حدود مرسومة تحددها التسويات والخرائط، بينما فقدت المقاومة لدى كثيرين معناها وتركت بلا أفق أخلاقي او تاريخي. شلح تعامل مع هذه الصيغة كإطار يقي فلسطين من احتمالين ثقيلين: أن تذوب في خطاب إسلامي واسع لا يلامس الواقع، أو أن تنغلق في وطنية سلطوية ترضى بما تمنحه موازين القوى والاتفاقات. وربما كان مأزقه كله في هذه المنطقة، إذ كان يريد لفلسطين أن تبقى فلسطينية جداً، بجغرافيتها ومخيماتها وأسراها وناسها، وأن تبقى في الوقت نفسه سؤالاً للأمة كلها.
وتجربة الدراسة في الغرب تضيء جانباً من تكوين شلح الفكري، فحين انتقل إلى الغرب لإكمال دراساته العليا نهاية الثمانينات، لم تغادره فلسطين، بل حملها معه إلى هناك، حيث ستصبح غربته إحدى ساحات إنتاج المعنى حولها. فمرحلة الدراسة في جامعة درم البريطانية تكشف فيه جانبا قلما يلتفت إليه المتابع الذي يعرفه من البيانات أو الخطابات. أطروحته عن المصرفية الإسلامية في اقتصاد قائم على الرأسمالية المتوحشة، تبدو بعيدة للوهلة الأولى عن مصير رجل سيقود واحدة من أخطر حركات المقاومة الفلسطينية، غير أن موضوعها، إذا قرئ في امتداد سيرته، يضيء شيئا من عقله. كان السؤال هناك متعلقا بإمكان أن تعمل مؤسسة ذات مرجعية إسلامية داخل نظام لا يتبنى مقدماتها. وهذا السؤال سيعود في السياسة بصورة أشد تعقيدا، كيف تعمل مقاومة داخل نظام دولي يعطي الأقوياء حق تعريف العنف وتحديد من له الحق في احتكاره؟ وكيف تعيش فكرة التحرر داخل سلطة تنشأ تحت الاحتلال؟ وكيف يصمد معنى فلسطين داخل مؤسسات ومنظمات وقوانين وتمويلات وحدود صيغت في معظمها لضبطها وإفراغها من مضمونها التحرري؟ في هذا الحس بالمؤسسة وبالنظام الحديث، يظهر شلح أكثر عمقا مما تبدو عليه صور القائد الحركي.
ثم تأتي تجربة الولايات المتحدة، حيث عمل محاضرا في جامعة جنوب فلوريدا وباحثا بمركز دراسات الإسلام والعالم، لتضيف طبقة أخرى إلى هذه المعرفة. هناك رأى الغرب من داخله النسبي؛ الجامعة، ومركز البحث، والصحيفة، ولغة القانون، وأجهزة التصنيف، التي تعرف الإسلام والفلسطينيين من داخل حقلها المعرفي والحضاري. ومع التسعينيات وما بعدها، أظهر ميلا إلى قراءة الإسلام السياسي من بوابة الأمن، ومن هذه الزاوية يتكشف لدينا جانب نادر من شخصيته؛ إسلامي فلسطيني يحاول أن يخاطب الغرب بلغته البحثية، وأن يشارك في إنتاج معرفة عن الإسلام والعالم، وان يخوض احد اكثر ساحات الصراع سخونة. فالاستشراق الجديد استبدل المستشرق الكلاسيكي بمراكز الأبحاث واللجان وقواميس المصطلحات التي تقرر من هو "المعتدل" ومن هو "المتطرف"، ومن يملك حق المقاومة ومن يدرج في خانة الإرهاب. هذه التجربة الأميركية ستمنح شلح لاحقا حساسية خاصة تجاه اللغة واستعمالاتها وتحيزاتها المضمرة.
فنقد شلح للغرب لم يكن مجرد نفور من قوة سياسية تدعم إسرائيل، على الرغم من مركزية هذا الدعم في وعيه، بل كان نقدا لعالم يصنع مفهومه الخاص ثم يحاكمك به. في مثل هذا العالم يصبح الفلسطيني المقاوم إرهابيا قبل أن يتكلم، بينما تعامل إسرائيل كدولة طبيعية تبحث عن أمنها، ويتحول احتلال الأرض إلى موضوع نزاع أو مشكلة إدارة. وهنا يقترب شلح، من موقعه الحركي الإسلامي، من منطقة كان ادوارد سعيد قد فتحها في الفكر العربي الحديث، منطقة التمثيل والاسم والحق في أن يقول الإنسان قصته قبل أن يقولها عدوه عنه.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الكتابة باسم محمد الفاتح في صحيفة الاستقلال الفلسطينية في زاوية سماها "مرايا". فالاسم المستعار لا يبدو مجرد ستار أمني أو عادة صحفية، لأنه يكشف شيئا من المخيال التاريخي الذي كان يسكن شلح. محمد الفاتح اسم محمل بذاكرة الانتصار والتحول، و"مرايا" ترميز لمفهوم المرآة التي تجبر صاحبها على رؤية ذاته على حقيقتها، وربما لهذا السبب لا يمكن فصل الأديب عن السياسي في شخصيته.
الأدب، في هذا المعنى، كان عند شلح أبعد من مزاولة ثقافية، فالأهم أنه أدرك وظيفة الأدب في التجربة الفلسطينية. كنفاني، مثلا، لم يمنح الفلسطيني قصة جميلة فقط، بل أعطاه مكانا في السرد، أعطاه وجها وصوتا وذاكرة، ومنع اختصاره في رقم لاجئ أو خيمة. وشلح، من موقع آخر، كان يدرك أن المقاومة التي لا تملك سرديتها تترك خصمها يكتبها. ولذلك كان الأدب عنده شرطاً لازماً للبقاء، فاللغة والرموز ساحة مواجهة تحرس الماضي من التبدد، وتزيل عن الحاضر غشاوة الصور المضللة.
أما أوسلو، فيبدو في سيرة شلح كالجرح السياسي الأشد أثرا بعد النكبة والاحتلال المباشر. فهو بالنسبة له تحول في صورة الفلسطيني عن نفسه. في أوسلو انتقل الفلسطيني، في نظره، من معنى حركة التحرر إلى معنى السلطة المحدودة والإدارة اليومية، وتحولت مقاومة الاحتلال إلى تعهد بضبط المجتمع الواقع تحته.
وربما كان أخطر ما رآه شلح في أوسلو أنه غير اللغة بنفس الدرجة التي غير فيها الواقع؛ حيث تقزم وعد التحرير إلى وعد بدولة لا تأتي. وفيما الأرض تبتلع، صارت الواقعية اسما آخر للتنازل المتدرج، ومدخلا إلى الاعتراف بمن بنى وجوده على فكرة فنائك.. هنا يتحول الاتفاق، في قراءته، إلى مدرسة كاملة في إعادة تسمية الأشياء، وإلى جهاز طويل يدرب الوعي الفلسطيني على قبول الفتات وتصويره كأنه إنجاز.
ومن أوسلو يمكن فهم نقده للسلطة الفلسطينية. لم يكن الأمر عنده خصومة مع سلطة أو أشخاص بعينهم، على الرغم من حدة المواقف السياسية أحيانا، لكن قلقه كان من بنية السلطة التي تولد على عين الاحتلال وتسمى وطنية. ولعل ما كان يقلق شلح أكثر أن تتحول الوطنية من حركة تحرر إلى وظيفة أمنية وإدارية لضبط الشعب، وأن تغدو المقاومة مشكلة أمام مشروع سياسي لا يملك شروط تحققه. هنا تكمن إحدى نقاط قوته، كما تكمن إحدى أكبر تحدياته؛ فقد انتقد موضع العطب بحدة، لكنه كان يعمل داخل ساحة عاجزة بدورها عن إنتاج وعاء وطني جامع يخرج من هذا المأزق. ولذلك تبدو تجربته، في جانب منها، سيرة رجل حمى المعنى أكثر مما امتلك القدرة على تغيير الخارطة الكاملة للطريق.
عبارة "فلسطين هي البوصلة" تلخص الكثير من فكره، غير أنها تحتاج إلى إنقاذ من كثرة استعمالها! فالبوصلة عند شلح أبعد من شعار خطابي، كانت طريقة في ترتيب الرؤية والأولويات. أين يبدأ الحدث؟ من هو العدو الذي ينبغي أن يبقى ظاهرا؟ كيف تقرأ الخلافات الداخلية؟ كيف يوازن بين الحلفاء؟ كيف لا تترك فلسطين وحيدة إذا غاب السند العربي، وكيف لا تتحول إلى ورقة في صراعات لا تخدمها؟
هذه الأسئلة كلها كانت كامنة في العبارة، وربما لذلك ظل شلح يعود إليها في كل مرة تختلط فيها الخرائط. في الانقسام الفلسطيني كان يرى خطرا يتجاوز تنازع الفصائل، لأنه يبدل موضع الغضب في الوعي الفلسطيني. وفي الصراع العربي الداخلي والصراع حول إيران كان يرى خطرا آخر، لأن جعل إيران عدواً أول، مهما كانت الخلافات معها، يمنح إسرائيل فرصة ثمينة للخروج من مركز الصورة. وقد لا يوافقه القارئ في كل تقدير، لكن من الصعب ألا يرى انتظام المعيار الذي كان يحكم نظرته.
وعلاقته بإيران وحزب الله تفهم داخل هذا المعيار. فهو لم يخف الدعم الإيراني للمقاومة، ولم يحاول أن يزينه بعبارات غامضة، لكنه كان يريد لهذا الدعم أن يبقى مقروءا من فلسطين لا أن تصبح فلسطين مقروءة منه. هذه منطقة شديدة الدقة في تجربته، لأن المنطقة بعد الحروب والانقسامات المذهبية والسياسية صارت تضغط على كل قضية كي تدخلها في محاورها. شلح حاول أن يضبط هذا التعقيد بفكرة البوصلة: من يدعم فلسطين يقترب من معناها، ومن يحاصرها أو يطبع مع عدوها يبتعد عنها، مع بقاء فلسطين أكبر من كل حاضنة وأسبق من كل محور.
لذلك فلسطين في تفكيره، كانت المجال الذي تختبر فيه كل القضايا. فالإسلاميون الذين يكثرون الكلام عن الأمة والبعث الإسلامي، يجدون انفسهم في فلسطين امام امتحان لجدية هذا الطرح الطموح، وكذلك الأمر بالنسبة للعرب الذين يتحدثون عن الأمن والاستقلال والتنمية يجدون فيها مرآة لعجزهم، بينما الغرب الذي يتغنى بالحقوق والقانون والحرية يجد في فلسطين فضيحة لمعاييره وتكذيب لادعاءاته.
ومدينة القدس كانت جزءا من ذلك النقاش المتصل بالأمة وخطورة اللغة التي تخفف من وطأة المأساة، فالقدس كانت اختبارا حاسما لمعنى فلسطين نفسها وموقعها من وجدان الأمة. فالقدس في وعيه تكاد تختصر الصلة العميقة بين الأرض والعقيدة والذاكرة والحق التاريخي. ومن هنا نفهم عبارته القاسية في معناها، حين رأى أن التنازل عن القدس يشبه أن يطلب من المسلم حذف سورة الإسراء من القرآن؛ لأنه كان يفهم ماذا يعني الصراع على المسجد الأقصى، ودلالات ذلك على طبيعة المشروع الصهيوني، فالاحتلال لا يكتفي بسرقة المدينة وتهويدها، بل يريد إعادة كتابة تاريخها، وإزاحة الرواية التي جعلت منها عقدة في وجدان المسلمين والمسيحيين والعرب والفلسطينيين. لهذا الامر، كلما حاولت السياسة أن تخفض سقف فلسطين إلى الممكن الذي تسمح به موازين القوة، كان شلح يعيد السؤال من بوابة القدس إلى أصله: من يملك حق تسمية المكان؟ ومن يملك أن يحول مدينة مشبعة بالنبوة والذاكرة والدم إلى بند مؤجل في جدول تفاوض؟
وفي تنظيراته عن الإسلام والغرب يظهر هذا الهم الحضاري بصورة أوسع. يعود شلح إلى التاريخ، إلى الأندلس والحروب الصليبية والتتار والدولة العثمانية ونابليون وسقوط الخلافة وزرع إسرائيل، ولا يبدو هذا الرجوع مجرد حنين إلى ماضٍ ضائع، وإنما كان في تجلياته محاولة لفهم فلسطين داخل سياق أوسغ، تمثل فيه المركز للهجمة الغربية على المنطقة التي أسفطتها في شراك التجزئة والهيمنة والتبعية.
قيمة شلح أيضا أنه في لحظاته ألأصفى كان يعيد الخارج إلى الداخل أيضا، فيرى أن الاستعمار لا يعمل في فراغ، وأن ضعف الأمة أو فساد الأفكار والأنظمة واللغة يفتح الطريق أمام القوة الخارجية كي تفعل فعلها. ومن هنا كان نقده للغرب، في أفضل صوره، نقدا لعلاقة كاملة بين قوة الخارج وقابلية الداخل. بهذا المعنى كان شلح قريبا من مناخ مالك بن نبي أكثر مما قد يظن القارئ لأول وهلة. بن نبي كتب عن القابلية للاستعمار وعن عالم الأفكار وشروط النهضة، وشلح عاش هذه الأسئلة في سياق فلسطيني لا ينفصل عن سياق الأمة وتحدياتها. كان يرى أن الهزيمة تبدأ أحيانا حين يقبل الناس قاموسا صنعه غيرهم، في مثل هذا القاموس تموت القضية ببطء، وقد يكون موتها في اللغة أسبق من موتها في السياسة.
ولعل ما يثير انتباهي هنا، بعد كل هذه الطبقات، أن رمضان شلح لا يترك لنا سيرة شخصية بالمعنى الذي يتركه أصحاب المذكرات. لا نعرف طفولته أو العلاقات العائلية والندوب الأولى واللحظات الصغيرة التي تصنع الإنسان قبل أن يصير اسما عاما. لكن أمامنا علامات كبرى ومساحات صامتة. وربما كان هذا الصمت جزءا من مأساة الفلسطيني الحركي، إذ تبتلع القضية كثيرا من سيرته الشخصية. لذلك يفتش المتابع عن شلح الإنسان في كلامه عن اللغة، وفي ارتباكه أمام الأسئلة الكبرى، وفي حرصه على معنى فلسطين، وفي ذلك الإصرار على ألا يضيع الاسم الأول وسط الأسماء الجديدة.
قيمة رمضان شلح لا تقوم على أنه قدم نظرية مكتملة، ولا على أنه ترك مشروعا فكريا مغلقا يمكن تلخيصه في أبواب وفصول، لكنه كان واحدا من أولئك الفلسطينيين الذين حاولوا حماية البوصلة في زمن اختلطت فيه الطرق والمسارات. وربما كان هذا كله هو ما جعله شخصية يصعب اختصارها في قائد فصيل أو كاتب حركي أو مفكر إسلامي. فقد عاش خارج أمكنة كثيرة، لكنه ظل داخل فكرة واحدة، فكرة فلسطين. قيمته ليست في الاكتمال، بل في قدرته على تثبيت نقطة البداية. وفي زمننا العربي القاسي، كثير من الانهيار يبدأ من تزييف نقطة البداية. شلح كان ينتمي إلى مدرسة تعيد القضية إلى أصلها، الى الهجمة الغربية والاستعمار والى الاستيطان في فلسطين، والى المشروع الصهيوني الذي يتجاوز فلسطين، والى الأمة التي لا تستطيع أن تعيد بناء نفسها وهي تؤجل مركز جرحها أو تشيح بوجهها عنه.
في ذكرى رحيله، تبدو الحاجة إليه فكرية بقدر ما هي سياسية. الساحة الإسلامية اليوم تعيش أسئلة تشبه، بصيغة أكثر تعقيدا، الأسئلة التي ولدت في نقاشات شلح والشقاقي ورفاقهما: هل تكون فلسطين البوصلة؟ هل تستطيع الحركة الإسلامية أن تخرج من أسر الدولة القطرية ومن هاجس السلطة إلى أفق التحرر؟ هل تستطيع قراءة التحالفات الإقليمية بعقل استراتيجي يضع إسرائيل في مركز الخطر، بدل أن تترك العصبيات المذهبية والإعلام الغربي يعيدون تعريف الصديق والعدو نيابة عنا؟ هل يمكن بناء وحدة وطنية فلسطينية تعترف بالإسلام كعمق حضاري من دون أن تلغي التعدد، وتعترف بالمقاومة كجوهر وطني وسبيل وحيد لتحرير الأرض وبناء المستقبل؟
ربما تكون ذكراه فرصة لمراجعة موقع فلسطين في الوعي الإسلامي والوطني معا. ففلسطين أصل في فهم المنطقة، والإسلام الذي لا يترجم عدله في مواجهة الظلم الصهيوني والاستعماري يتحول إلى خطاب ناقص مهما امتلأت به المنابر.
