الكاتب: محمد هلسة
من منا لم يسمع بجوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي وطبّال أدولف هتلر الذي اشتهر بمقولته: "اكذب حتى يصدقك الآخرون ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك".
مات غوبلز منتحراً، لكن إرثه لم يمت، فغوبلز الفكرة والمنهج والأسلوب، ظل يسكن الطغاة طبّالي الاستبداد والفساد.
ويبدو ترامب اليوم أحد أشد ورثة إرث غوبلز تًحمُساً، فالتهريج والكذب الممنهج الذي يُقدّمه يوميا،ً لا يترك لنا إلا أن نستحضر ما فعله الوزير الألماني النازي جوزيف غوبلز الذي أدار المنظومة الإعلامية للنازية في ذلك الوقت. لكن الفرق بين غوبلز النازي وترامب "الليبرالي" أن الثاني مُهرج جريء في الكذب إلى حد يدعو للشفقة، فهو يكذب ثم يكذب ثم يكذب، حتى يصدق نفسه.
تبدو قدرة ترامب المُطلقة على الكذب وإيمانه "أن في الكذبة الكبرى دائماً قَدرٌ من المصداقية"؛ مُستنداً إلى فكرة غوبلز القائلة "أن الناس يكونون دائماً أكثر عرضة للفساد في أعماق طبيعتهم العاطفية من كونهم فاسدين بوعي أو إرادة؛ وبالتالي، فإنهم "في بساطة عقولهم البدائية، يقعون ضحايا للكذبة الكبرى أكثر من الكذبة الصغرى، لأنهم أنفسهم غالباً ما يكذبون أكاذيب صغيرة في أمور بسيطة"، لكنهم يخجلون من اللجوء إلى أكاذيب واسعة النطاق، ولا يخطر ببالهم أبداً اختلاق أكاذيب هائلة كتلك التي يُطلقها ترامب، كما أنهم لن يُصدقوا أن اناساً مثل ترامب، قد يمتلكون الجرأة على تشويه الحقائق بهذه الطريقة المُشينة.
ويبدو كذلك، أن قاعدة ترامب الأساسية في تسويق الكذب؛ أن لا يدع الجمهور يهدأ أبداً؛ فالكذبة التي تُقال مرةً تبقى كذبة، أما الكذبة التي تُقال ألف مرة فتصبح حقيقة"، لذلك، يجب أن تكون الدعاية "بسيطةً ومتكررةً في جوهرها." وترامب فعلياً لا يترك مجالًا للتردد بل يواصل أكاذيبه، حتى لو عَرّضه ذلك لخطر الظهور بمظهرٍ مثيرٍ للسخرية.
هذا الأمر معروف بين علماء النفس بتأثير "وهم الحقيقة" وهو أن تكرار الكذبة مراراً وتكراراً يجعلها حقيقة، وترامب يستغل هذه الثغرة في النفس البشرية، القائمة على أن المعرفة المسبقة لن تمنع التكرار من التأثير على أحكامنا بشأن المعقولية، وهو ما يُعرف "بنظرية التأطير" القائمة على فكرة السيطرة على العقول وتمرير السياسات بعدة أساليب؛ أهمها التكرار الكثير، لأنه يُكوّن صوراً نمطية محددة، فكلما كبرت الكذبة وتكررت، سَهُل تصديقها.
ولا يكتفي ترامب بالكذب المجرد، بل يوظف القاعدة القائلة أن "الغاية تبرر الوسيلة"، لتأجيج الكراهية، وتبرير الفظائع، وتصوير "إسرائيل" والولايات المتحدة كضحايا، مُسخّراً وسائل الإعلام لترسيخ روايات مزيفة لا تعتمد على الحقائق، بل على استغلال مشاعر الخوف، والكراهية، والدافع النفسي لدى الجمهور لتصديق الادعاءات. ويبدو هنا، أنَّ هنالك قاسم "نفسي" مشترك بين ترامب ونتنياهو، وهو القبضة المتشنّجة على السلطة، والإدمان المشترك لـ"الأنا"، إضافة إلى قُدرة لامتناهية على توظيف سموم التحريض القائم على الأكاذيب واستخدامها.
يُصنّفُ الكّذِب بأنه مفهوم زَلِق متقلّب، من الصعب الإمساك به وتصنيفه وتخليص الحقيقة منه، فهو نقيض الحقيقة الذي له ألف وجه ووجه. والكاذب يعرف حقيقة ما يعتزم قوله، ويعرف كذلك ما يفكر فيه وما يقوله ولمن سيقوله، والنتائج المترتبة على ما سيقوله، وبالتالي، وهو الأهم، خلق الحدث والدفع إلى الاعتقاد به وتصديقه.
انطلاقاً من هذا التحديد، يؤمن ترامب أن الكذب ليس مرتبطاً فقط بالسياسة، بل هو بالنسبة له وسيلة للحكم والبقاء، فالديماغوجية التي يمتهنها تتيح له التلاعب بالوقائع كيفما شاء، حتى في مجتمع يدّعي بأنه ليبرالي ديمقراطي حر وأمام نُخَبه وممثليه، يتلاعب ترامب بأرائهم ويقلّب الأحداث والحقائق والوقائع التي باتت معروفة بديهية بما يخدم سرديته ومصالحه، ثم يحظى بالتصفيق..!
وترامب، عرّاب الكذب، يعلم كذلك، وهو يستدعي العزم المقصود على إلحاق الأذى بأكثر من طرف، أنه غير مُطالب أن يطابق ما يقوله الواقع بل أن يحل محله، مستثمراً الفرصة المواتية التي أتيحت له من على أي منبر، متجاهلاً العواقب المحتملة لكذبه. والكذب المفضوح الذي يمارسه ترامب لم يسبق له مثيل؛ وفيما قد يبدو مَرَضيّاً، أي أنّه نزعة مستمرة وقهرية لقول الأكاذيب وسلوك الكذب المُفرط، يميل البعض لاعتباره آلية للتكيّف والتأطير طوّرها الرجل ارتباطاً بالنزعة النرجسية التي تحكم شخصيته، بحيث لا يعود قَلِقاً بشأن العواقب المحتمَلة لكشف كذبه، ولا يعود بإمكانه التحكُّم في الرغبة في الكذب، ما يجعل الكذب لديه سلوكاً مستمراً مدى الحياة...!.
على العموم، الواضح أن أكاذيب ترامب تتطور، فقد عَمد على إظهار نفسه بصورة "البطل" كما في القصص الخيالي، وبدى كراوي قصص مبدع، لديه قدرةٌ على أسر أولئك الذين يصفقون له بحرارة مرات ومرات، من خلال سرد قصص محبوكة ومُتقَنة ورائعة، دون اعتبار لما يمكن أن يحدث نتيجة لأكاذيبه.
والأدهى، أن ترامب، بعُروضه المسرحية المتواصلة، يُبشر بولادة "مسرح الكذب"؛ مسرحٌ جديد يضاف إلى المدارس المسرحية التي نعرفها كالمسرح التراجيدي، الكوميدي، الفانتازي...وغيرها.
ولأن نوع المسرح مُوكَلٌ بغرضه الذي أنشئ لأجله، فإن "المُهرج" ترامب يلعب دور الجلاَّد والضحية في آن واحد؛ دون سيناريو مُقنع أو حتى شواهد تُمَنطق الكذب، حتى تظن أنه يُصدِّق بلا وعي كَذِبه؛ ذلك أن الكذب بلغ منه مَبْلغاً يُتَرْجم على جوارحه دونما إرادة منه.
لقد بات ترامب يملك القدرة على ارتجال الكذب في كل موقف دونما عناء؛ مستخفاً بالجمهور الذي أرعاه سمعه وبصره وفؤاده، وقام من مقاعده وصفق وهلل مراراً وتكراراً دون وعي، وكأنه، أي جمهور هذا المسرح، يُبدي كذلك استعداداً نفسياً وسلوكياً للكذب والتزلُّف، حتى في المُتفق عليه البيّن من الحقائق.
يرتكب ترامب خطيئة الكذب والغطرسة مراراً وتكراراً، تماماً كما لو كان طفلاً صغيراً يجد نفسه في غرفة أمام مرآةٍ مُكبِّرة، ويخطئ في الاعتقاد بأن الصورة المشوهة "للعملاق" الذي يقف في مواجهته حقيقية.
وبالتأكيد لن يتعلم النزول عن رأس شجرة الغطرسة هذه إلا بالطريقة الصعبة والمؤلمة جداً، وهو الذي بالتأكيد يعرف أن معظم الكوارث والمآسي التي تحل بالشعوب والأمم، وحتى انهيار الإمبراطوريات، مصدرها الغطرسة الرعناء.
خلاصة الأمر، سلوك ترامب في التهريج المفضوح مقصودٌ يُعبر عن اجتماع ذروتي الكذب والاستعلاء معاً، فقد أصابته الغطرسة وأسكرته السلطة المُطلقة، وهي أحد أعراض الموقف الأميركي والإسرائيلي القديم الجديد القائل "بأننا نستطيع أن نفعل أي شيء ولن يحدث لنا أي شيء".
وكذب ترامب وغروره وغطرسته ليست مفاجئة لمن يعرف الرجل، فهو كاذب وانتهازي ومرواغ بامتياز، والسؤال المفتوح برسم الإجابة من إيران ومن اصطف معها اليوم، هل تُشكل حربه الغاشمة عليها، بداية التأثير على هذا الغرور وفكفكته بما يجعلها مُقدمةً لبداية النهاية لأكاذيبه، وربما لحُكمه!.

