Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

غزة في قلب الحرب الإقليمية.. من النار إلى هندسة الإخضاع الممنهج

فلسطين اليوم

الكاتب: شرحبيل الغريب

في خضم حرب إقليمية دائرة متّسعة، لم تعد قضية قطاع غزة مجرد ساحة مواجهة عادية، بل تحوّلت إلى محور اختبار لاعادة تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني تحت الترهيب والمطالبة العلنية الصريحة بتسليم سلاح قطاع غزة بالكامل كشرط للإغاثة والإعمار أو العودة إلى ضغط نار الحرب مجدداً.  

ما يجري اليوم في قطاع غزة يتجاوز حدود الترتيبات الإنسانية والسياسية ليدخل في محاولة منهجية لفرض واقع جديد يلامس ويحقق الرؤية الأميركية، وفق شروط جديدة صيغت في ظل اختلال موازين القوة. 

اللافت في هذا المسار أنه لا يبدأ بوقف كامل لكل أشكال الحرب أو معالجة آثاره وما خلّفته من كارثة إنسانية في قطاع غزة، بل ينطلق مباشرة من شرط مركزي يدور الحديث عنه هذه الأيام مع سخونة المواجهة في الساحة الإقليمية، وعودة ما يسمّى المندوب السامي نيكولاي ميلادينوف باشتراطات نزع سلاح المقاومة، وكأنه المفتاح الوحيد لأي مستقبل ممكن في قطاع غزة. وبهذا الطرح الذي جاء في كلمة ميلادينوف الأخيرة يعني أن غزة وفق الرؤية الأميركية باتت تناقش كقضية أمنية لا قضية سياسية يراد تفكيكها أولاً قبل الحديث عن أي حقوق أو استحقاقات للمرحلة المقبلة من خطة الرئيس ترامب، التي لم يعد الحديث عنها بالزخم السابق في ظل العدوان الإسرائيلي- الأميركي على إيران من جهة وحزب الله في لبنان، من جهة أخرى. 

المشهد الراهن يكشف عن تحوّل إستراتيجي في طريقة إدارة الملف الفلسطيني، وتحديداً في قطاع غزة، وهذا بدا واضحاً في تصريحات نيكولاي ميلادينوف ولقاءاته الأخيرة مع قيادة حماس في القاهرة، فبدلاً من الالتزام بالتدرج التقليدي المعروف في أي اتفاق، والذي يبدأ بوقف إطلاق نار متبادل ثم الانتقال الى الإغاثة وإعادة الإعمار وصولاً إلى المسار السياسي، يجري اليوم قلب هذا التسلسل بالكامل، إذ يطرح نزع السلاح كشرط مسبق لا كجزء من تسوية شاملة تم الاتفاق عليها بين كل الأطراف إبان الموافقة على خطه الرئيس ترامب لوقف الحرب على غزة، بل تأتي الاشتراطات كمدخل إلزامي لها، وهذا التحوّل لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع إذ يجري استثمار التصعيد مع إيران وحزب الله في لبنان لإعادة هندسة الواقع في قطاع غزة من جديد. 

عوده المندوب نيكولاي ميلادينوف ليتصدّر المشهد من خلال طرح مقاربة زمنية لنزع السلاح في غزة تبدو أقرب إلى صيغة إنذار منها إلى صيغة مبادرة تفاوضية، فالمقترحات المتداولة لا تتضمن ضمانات واضحة تتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية في غزة، أو رؤية واضحة بجدول زمني تضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل منها، أو حتى آليات إعادة الإعمار بل تربط كل ذلك بشكل واضح، بتسليم شامل للسلاح بما في ذلك السلاح الفردي. 

مثل هذه المقاربة يعكس خللاً بنيوياً إستراتيجياً في ميزان التفاوض، إذ يطلب من المقاومة تقديم تنازلات جوهرية من دون مقابل ملموس مضمون، وهذا يعكس مشكلة في إعادة تعريف مفهوم اليوم التالي بعد انتهاء الحرب في غزة، إذ إنه في الطروحات السابقة كان هناك فصل نسبي بين المسار الإنساني والمسار السياسي بحيث يجري التعامل مع الإغاثة وإعادة الإعمار كحقوق غير مشروطة، أما اليوم فيجري الحديث عن دمج أو خلط هذه المسارات ببعضها البعض بحيث تصبح المساعدات وإعادة الإعمار أدوات ضغط سياسي حقيقية وليست التزامات إنسانية يجب الوفاء والالتزام بها، مثل هذا الدمج يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين منطق فرض القوة ومنطق حقوق الشعب الفلسطيني بحيث تصبح الحقوق مرهونة ومحل ابتزاز، وتشترط ضرورة الامتثال لشروط سياسية محددة تمليها الإدارة الأميركية عبر مندوبها السامي ومجلس السلام. 

على الزاوية الأخرى من الصورة، يمكن قراءة هذا المسار كجزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق إنجاز سياسي سريع في غزة يعوّض عن العجز وغياب الحسم في ساحات أخرى، فمع تعقيد المشهد في كل من إيران ولبنان، تبدو من وجهة النظر الأميركية ورقة غزة هي الساحة الأكثر قابلية لمحاولة فرض نتائج سريعة، مستفيدة من حجم الدمار والضغط الإنساني الهائل والمعاناة الإنسانية المستمرة.

لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها إشكالية جوهرية تتمثل في فرضية أن الضغط العسكري يمكن أن يترجم تلقائياً إلى مكاسب سياسية دائمة، لكن كل التجارب السياسية تشير إلى أن مثل هذا الافتراض غالباً ما يكون مضللاً ضعيفاً أو لا يحقق الأهداف المرجوة، إذ إن فرض شروط سياسية تحت ضغط الحرب من دون وجود توافق أو ضمانات للحقوق الفلسطينية يؤدي عادة إلى نتائج هشة قابلة للانفجار في أي لحظة ممكنة، بل إن الأهم في ذلك أن ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح قد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال تعزيز حالة التشدد والرفض داخل الفصائل الفلسطينية المقاومة والمجتمع الفلسطيني، وبهذا تتشكل مشهدية متوقعة بإعادة إنتاج بيئة تجعل من التصعيد خياراً بدلاً من المعالجة والاحتواء. 

ثمة سؤال مهم يطرح نفسه في هذا السياق، ماذا عن موقف الفصائل الفلسطينية المقاومة إزاء كل ما يدور الحديث عنه وفق المعلومات والمعطيات؟ في تقديري، وفي قراءة لعقل فصائل المقاومة الفلسطينية، فالمقاومة لن تقبل بهذه المقاربة ليس فقط من منطق أيديولوجي وكحق في مقاومة الاحتلال كفلته كل القوانين الدولية، بل أيضاً من منطق حسابات واقعية إذ إن التنازل عن السلاح في ظل وجود احتلال وعدم إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية ومع غياب ضمانات واضحة ينظر إليه كخطر استراتيجي وجودي وليس مجرد خطوة تفاوضية. 

انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم حالة الشد والجذب المتوقعة في مفاوضات المرحلة المقبلة، والمقاربة الحالية المطروحة أنها لا توفر الحد الأدنى من المنطق والتوازن الذي يسمح بإطلاق مسار تفاوضي جدي بل إنها تبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار الضغط العسكري والسياسي على قطاع غزة بين الحين والآخر في محاولة لانتزاع تنازلات تدريجية من المقاومة الفلسطينية، لكن في المقابل، فإن غياب الثقة وعمق الفجوة بين الأطراف وعدم الالتزام الإسرائيلي الكامل باستحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس ترامب يجعل من الصعب تحقيق اختراق استراتيجي حقيقي في هذا الملف الثقيل. 

لعل الأخطر في هذا المشهد هو استخدام الحرب كأداة لإعادة صياغة الواقع السياسي، وليس فقط كوسيلة لتحقيق أهداف عسكرية، فحين تتحوّل المعركة الى منصة أممية لفرض ترتيبات سياسية مسبقة، فإن ذلك يعني عملياً تجاوز مبدأ التفاوض واستبداله بمنطق الإملاء والشروط والابتزاز وهذا التحوّل لا يهدد فقط فرض الحلول السياسية بل سيعيد إنتاج الحرب في شكل أكثر تعقيداً. 

يبدو إلى الآن أن المسار المطروح لغزة حالياً يواجه تحديات بنيوية عميقة بل واستراتيجية تتعلق بغياب التوازن والمنطق وانعدام الضمانات وتضارب الأهداف، فمحاولة فرض اليوم التالي والحديث عن الاشتراطات في ملف السلاح والإعمار وفق الرؤية الأميركية قبل انتهاء الحرب بشكل فعلي لا تؤسس لاستقرار حقيقي في قطاع غزة، بل على العكس، قد تؤدي إلى ترسيخ حالة من الرفض وعدم الثقة تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة وتعقيداً، والمهم في هذا المشهد أن غزة ليست فقط ساحة حرب بل ساحة اختبار أيضاً لإرادة سياسية تحاول الإدارة الأميركية إعادة تشكيلها بالقوة. 

التاريخ أثبت على مدار الماضي كله أن الحلول التي تفرض تحت ضغط السلاح والابتزاز من دون توافق أو منطق تبقى هشة ومؤقتة وقابلة للانهيار في أي لحظة، والتجارب السابقة مع قطاع غزة أثبتت هذه النظرية، وبالتالي السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح ليس فقط حول إمكانية تمرير هذه الشروط بل حول قدرتها على الصمود في واقع لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات.