Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الجبهة الداخلية الإسرائيلية في الحرب الحالية، ورهانات الصمود!

فلسطين اليوم

الكاتب: محمد هلسة 

مع اشتداد المواجهة العسكرية مع إيران، واضطرار "إسرائيل"، بالتوازي، للتعامل مع حزب الله في جبهة شمال فلسطين المحتلة، وربما مع جبهة اليمن في حال انخرط أنصار الله في المواجهة، يتجدد الجدل في "إسرائيل" حول إمكان الحكومة الإسرائيلية التعويل على صمود الجبهة الداخلية في مواجهة الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية وتعطل التعليم، إضافة إلى الإضرار بالاستمرارية الوظيفية للاقتصاد، خاصةً وأن قدرة الجبهة الداخلية على التعامل مع التحديات الحالية لها تأثير حاسم في نتائج المعركة في ظل مواجهة عسكرية قد تطول.

وربما من هنا يمكن أن نفهم تصريح عضو الكنيست الإسرائيلي من حزب الليكود، تالي غوتليب للقناة 7 العبرية، قبل يومين، حيث أبدت امتعاضها من بعض الأسئلة التي تُطرح في "إسرائيل" خلال الحرب والتي اسمتها "أصواتاً انهزامية" تسأل: لماذا؟ وكم؟ وكيف نخرج من الحرب؟، مضيفةً أن "هناك بيننا مجموعة أسميهم مساعدي العدو، وعليهم أن يصمتوا".

تدرك "إسرائيل" أن إلحاق الأذى بالجبهة الداخلية الإسرائيلية شكّل في جميع مواجهاتها الأخيرة مع المقاومة وإيران هدفاً أساسياً لخصومها، وذلك لضرب مقدرتها على الصمود أمام الهجمات ومنعها من تقديم الدعم لـ"الجيش" الإسرائيلي في أنشطته الميدانية في جبهة المواجهة.

تُعدّ الجبهة الداخلية أمراً بالغ الأهمية وتشكل عنصراً حاسماً في القدرة على حسم المعركة والانتصار، وخصوصاً في حرب متعددة الساحات. وفي "إسرائيل" تحديداً، حيث غالباً ما تكون الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً في المواجهة، يدرك قادتها أن الاختلاف الأساسي بين حروب اليوم والحروب التي خاضتها حتى منتصف القرن التاسع عشر، هو أن مستوطنيها "المدنيين" ظلوا دائماً خارج "منطقة الحرب".

يعتمد صمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية بصورة عامة على عدة عوامل، منها: مُدة المواجهة، وما يُحرزه "الجيش" من إنجازات على الجبهة، والقدرات الدفاعية، واستمرارية الأداء الاقتصادي الفاعل، ومقدرة الدولة على استمرار تقديم الخدمات الحيوية لمواطنيها، إضافة إلى "ثقة الجمهور وإيمانه" بأن هذه حرب مبررة لا بُد منها.

تدرك "إسرائيل" أن الجبهة الداخلية هي نُقطة ضعفها، وأن إيران والحزب يمتلكان صواريخ وقذائف متطورة تُغطي كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد أثبتت مقدرتها على إصابة البنى التحتية الحيوية والأهداف الاستراتيجية في العمق، بما شل الحياة وعطّل الروتين اليومي للمستوطنين، كأداة للضغط على الحكومة وصناع القرار في "دولة" الاحتلال، بهدف التأثير السريع في نتيجة الحرب.

ومن المعلوم أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تؤدي دورين رئيسيين خلال الحرب، أولهما هو دعم المجهود الحربي عبر توفير الأفراد والموارد والدعم اللوجستي لجبهة القتال، وثانيهما، وبدرجة الأهمية نفسها، يُشكل صمود الجبهة الداخلية حتى نهاية القتال عنصراً أساسياً في قوة "إسرائيل" وقدرتها على حسم الصراعات بسرعة.

ومن حيث المبدأ تتأثر مقدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومرونتها بعدد كبير من العوامل التي سبقت الإشارة إليها، لكن نتنياهو يعوّل في هذه الحرب تحديداً، على ثلاثة عوامل لضمان دعم الجبهة الداخلية وصمودها في مواجهة الأثمان التي تتكبدها "إسرائيل" في المواجهة الدائرة اليوم مع إيران وحزب الله.

أول هذه العوامل هو، أن المفاهيم الإسرائيلية القديمة التي كانت تقول إن المجتمع الإسرائيلي لا يحتمل الحرب الطويلة ويميل بطبعه إلى تفضيل الجولات القصيرة الخاطفة على الحرب الطويلة، قد تغيرت، وباتت مقدرة الجمهور الإسرائيلي على الصمود في حرب طويلة يسقط فيها الكثير من القتلى في ساحة المواجهة وفي الجبهة الداخلية، أكبر.

والمعنى، أن فكرة التصالح مع التهديدات أو قبول تسويات معها لم تعد واردة في مقاربة المجتمع الإسرائيلي الجديدة، حيث يفضل الردع والحسم القائم على القوة ووأد التهديد في مهده قبل أن يتطور ويرتب على "إسرائيل" أثماناً أكبر وأقسى في حال الانتظار.

وثانيها، أن نتنياهو استطاع خلال سنوات قيادته الطويلة للمجتمع الإسرائيلي، كرئيس للوزراء، أن يزرع في وعي الإسرائيليين الجمعي أن إيران، وبدرجة أقل حزب الله، هما تهديد وجودي للدولة وأنه يجب أن تذهب "إسرائيل" في هذه الحرب حتى نهايتها لتحقيق الهدف النهائي الذي وضعه نتنياهو وهو القضاء على النظام وإزالة تهديد السلاح النووي والصواريخ البالستية الإيرانية ونزع سلاح حزب الله، مهما كلف ذلك من ثمن. ولذلك، عبّرت استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي عن دعمٍ شبه كامل لهذه الحرب، وهو ما تبدّى كذلك في سلوك قادة المعارضة الذين منحوا دعمهم الكامل لنتنياهو في هذه الحرب.

أما العامل الثالث، فمرتبط بما سوّق له نتنياهو من أن "إسرائيل" تُلحق الأذى الكبير بأعدائها وبأنها دمرت أغلب أصولهم العسكرية والأمنية وهي، أي "إسرائيل"، تسير في طريق تحقيق الأهداف بسرعة كبيرة، وأن مقدرة إيران والحزب على إطلاق الصواريخ تتقلص بشكل متسارع، وأن، إيران تحديداً، فقدت الكثير من بطاريات إطلاق الصواريخ البالستية، وأن المسألة هي "صبر ساعة" حتى تُحقق "إسرائيل" أهدافها، بحيث ينعم بعدها الإسرائيلييون بالأمن لفترة طويلة.

وهنا يأتي دور الإعلام العبري المُجنّد الذي يساهم في منح القيادة السياسية الوقت الكافي لإنجاز المهمات، عبر تعزيز قناعة الجمهور الإسرائيلي بأهمية الحرب وخطورتها، وأن صبر المجتمع واحتماله للإثمان، سيساعد بالتأكيد في تحقق أهدافها، فلا داعي للتعجل بإنهائها. 

من حيث المبدأ، لا يعتمد طول فترة القتال على مقدرة الخطوط الأمامية على الصمود في أيام المواجهة فحسب، بل على حالة الجبهة الداخلية وتماسكها أيضاً في ظل اضطرابات التعليم والتنقل، وإغلاق المرافق الاقتصادية، وغيرها من القيود التي تؤدي إلى نفاد صبر الجمهور الإسرائيلي الذي يميل إلى "الفعل السريع والحلول الحادة التي تُقلل من حدة الأذى"، ويكره القتال "منخفض الكثافة الذي يستمر لفترة طويلة".

باختصار، يفضل الإسرائيليون أن يعيشوا حياة روتينية هادئة، ولا يحبون من يهدد ويعطل هذا النمط من الحياة. وعندما يشتد الخطب وتتشوش أنماط الحياة المُعتادة ينفد صبرهم.

ورغم أن القيادة الإسرائيلية تُكابر في الحديث عن صمود الجبهة الداخلية، فإنها لا تتعامل مع هذا الوضع كأمرٍ مُسلمٍ به، وهي تدرك أن الجمهور الإسرائيلي بحاجة إلى الإقناع، فكلما استمرت المواجهة تعالت الشكوك والأسئلة في الخطاب العام الداخلي والمفتوح، وخصوصاً أن السيطرة على المعلومات وصورة الحرب لم تعد حصراً بيد "الدولة" وحدها في ظل ثورة المعلومات وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي.

صحيح أن "دولة إسرائيل" قوية من الناحية العسكرية، وتقوم بإعداد جبهتها الداخلية باستمرار، ويُعدّ اقتصادها من الاقتصادات القوية في العالم، ولديها اتفاقيات سياسية مع دولٍ عربية، ولديها تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنها من الناحية الأخرى تعلم أن جبهتها الداخلية هي "خاصرتها الرخوة" وأن تكرار مشاهد سقوط الصواريخ ودوي صفارات الإنذار وانتقال السكان إلى الملاجئ في غالبية المستوطنات لفترة طويلة، قد يؤدي الى إحداث شعور دائم بعدم الاستقرار داخل المجتمع.

فإذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة فإن هذا قد يخلق تحديات إضافية، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات التكنولوجيا والسياحة والاستثمارات الأجنبية، وهي قطاعات تتأثر بسرعة بعدم الاستقرار الأمني. ولهذا، فإن قدرة المجتمع الإسرائيلي على التكيّف مع ظروف الحرب الحالية، إن طالت، ستكون أحد العوامل الحاسمة في تحديد مسارها.