الكاتب: د. باسم القاسم
(متخصص بالشأن الصهيوني باحث في مركز الزيتونة للدراسات)
مع دخول العدوان الإسرائيلي الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية يومه الرابع، ثمّة عناصر وعوامل تحكم مسار هذا العدوان وتؤثّر فيه. ومن بين هذه العناصر "مشكلة العمق الاسترايتجية" أو "العمق الجغرافي" ومدى تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية وصمودها في مواجهة الصواريخ الإيرانية، التي استمرت في ضرب العمق الإسرائيلي، بل وطالت حدود الكيان من شماله حتى جنوبه، وهو ما سوف نتناوله في هذا المقال.
يُعرّف الأمن القومي لأي دولة في العالم، بأنه قدرتها على الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها. لكن تعريف الأمن القومي الإسرائيلي يكاد يكون شاذاً عن جميع تلك المفاهيم، إذ يعرّف ديفيد بن جوريون الأمن القومي الإسرائيلي بقوله: هو "الدفاع عن الوجود"، مرهوناً بالهاجس الأمني الذي يقوم على الفرضية القائلة بأن إسرائيل موجودة في حالة خطر كياني دائم.
مشكلة العمق الاستراتيجي
منذ قيام الكيان الإسرائيلي سنة 1948، وضعت القيادة الإسرائيلية مسألة الأمن في قمة أولوياتها، وبلورت استراتيجية متكاملة لمفهوم أمن قومي وسبل تحقيقه، وقامت نظرية الأمن الإسرائيلي على ركيزة أساسية من ضمن ركائز أخرى، وهي ضرورة نقل المعركة إلى أرض العدو، اعتقاداً من بن جوريون إلى أنَّ أي معركة قد تجري على "أرض الكيان الإسرائيلي" قد لا تمنحها الفرصة لإعادة ترتيب جيشها أو قوتها، نظراً لافتقادها العمق الجغرافي الملائم لذلك؛ وهذا الأمر يندرج في إطار "مشكلة العمق الاستراتيجي".
بحث صنَّاع القرار في "إسرائيل" منذ بن جوريون إلى القادة الحاليين، كثيراً في مشكلة العمق الاستراتيجي، خصوصاً إذا كان هناك بحث في مسألة تسوية سلام أو مفاوضات إسرائيلية فلسطينية أو إسرائيلية عربية، وبالتأكيد في زمن الحرب والمعارك العسكرية.
ويمكن تعريف "العمق الاستراتيجي" Strategic depth بأنه "المنطقة الواقعة ما بين الخط الأمامي المتقدم، الذي تستطيع دولة ما أن تحتفظ فيه بقوات عسكرية للدفاع عن نفسها، وبين مناطقها الحيوية، من دون المساس بسيادة دولة أخرى". و"المنطقة الحيوية" هي المنطقة التي يعني احتلالها من قبل العدو- القضاء على سيادة تلك الدولة، وبالنسبة لـ"إسرائيل" القضاء على الوجود المادي للدولة.
يمكن تعريف "المنطقة الحيوية" في الكيان الإسرائيلي بأنها المنطقة التي تأخذ شكل مثلث، والتي تقع ضمن منطقة القدس-تل أبيب-حيفا، أو التي تُطلق "إسرائيل" عليها اسم منطقة "غوش دان" والتي تضم أكثر من 4 ملايين إسرائيلي؛ وتحتوي القسم الأكبر من المرافق الحيوية ومؤسسات الحكم.
عناصر العمق الاستراتيجي:
إن المسافة ما بين الخط الأمامي والمنطقة الحيوية، هي تعبير واحد، ولكنه ليس الوحيد، عن مفهوم العمق الاستراتيجي. ولن يكون هناك تعبير كامل لهذا المفهوم، إلا إذا أضفنا عليه المعطيات الآتية:
1. طول الخط الأمامي (الحدود في حالة "إسرائيل").
2. والنسبة بين طول هذا الخط ومساحة المنطقة الواقعة التي يجب حمايتها منه (الخط).
3. والطابع الطوبوغرافي للخط الأمامي (الحدود) وتكوين المنطقة التي يجب الدفاع عنها.
يعرض هذا الجدول النسبة المذكورة في دول مختلفة من أنحاء العالم :
اسم الدولة النسبة بين طول الخط ومنطقة الدفاع (براً فقط)
لبنان 1: 18
اسرائيل 1 : 26
الأردن 1 : 40
سورية 1 : 56
فرنسا 1 : 178
جنوب إفريقيا 1 : 223
مصر 1 : 230
إيران 1 : 300 (نسبة تقديرية)
تجدر الإشارة إلى أن تجمعات سكانية ومرافق اقتصادية واستراتيجية مهمة، تتركز وراء المنطقة الحيوية. وتشكل إصابة هذه التجمعات والمرافق، أو فقدانها، ولو مؤقتاً، ضربة مادية ومعنوية قاسية بالنسبة إلى "إسرائيل". وتقع هذه التجمعات في الحالة الإسرائيلية على مقربة شديدة من الخط الأمامي وفي مساحة جغرافية ضيقة، وهذا الاقتراب ينطوي على المخاطر في حال نشوب حرب.
إن إمعان النظر في مجمل المعطيات المذكورة يدل على مدى ضعف "إسرائيل" المنطقي والنسبي فيما يتعلق بالعمق الاستراتيجي.
ثمة من يزعم بأنه في عصر الصواريخ والطائرات الحديثة والدفاعات الجوية والغواصات النووية، بما تحمله من أسلحة متطورة، لا يتمتع العمق الاستراتيجي إلا بأهمية محدودة فقط. من المؤكد أن هذا الزعم مرفوض من أساسه، خصوصاً عندما تكون الحرب حرباً تقليدية، وذلك لعدة أسباب أبرزها:
أولاً: إن تجربة الحروب الحديثة قد أثبتت عدم إمكان احتلال أية أراض واسعة من خلال عمليات القصف وحدها، إلا إذا تضعضعت الروح المعنوية لدى الشعب المُهاجَم منذ البداية.
ثانياً: لا انتصار في حرب من دون احتلال أرض، ومن أجل الاحتلال لا بد من الطوابير البرية، وعندها يلعب العمق الاستراتيجي (حتى النسبي) دوراً بالغ الأهمية.
ثالثاً: إن المعالجة الصحيحة لموضوع العمق الاستراتيجي قد تحدُّ من إغراء الحرب لدى المهاجم المحتمل.
رابعاً: أثبتت الحروب التي شنتها "إسرائيل" ضدّ حزب الله والفصائل الفلسطينية ومع إيران في الفترة سنة 2006-2025، أن الصواريخ التي أصابت الجبهة الداخلية الإسرائيلية قد أثبتت صحة فرضية أهمية العمق الاستراتيجي، في المقابل إن قوة العمق الاستراتيجي لإيران منع "إسرائيل" وربما الولايات المتحدةـ، خلال السنوات الماضية، من شن ضربات جوية ضد المفاعلات النووية الإيرانية.
تراجع القدرة على نقل المعركة إلى أرض العدو:
قال ديفيد بن جوريون في مراتٍ عديدة منذ انتهاء حرب 1948: "إذا هاجمونا وفرضوا علينا حرباً جديدة، لن نتبع استراتيجية دفاعية، بل سننتقل إلى مهاجمة العدو، وبقدر الإمكان على أرض العدو، [...]، لا ننوي إدارةَ حربٍ دفاعية ثابتةٍ، يجب ألّا نكتفي بخط الدفاع فقط، سنحارب خارج أرض إسرائيل، يجب إبادة قوة العدو على الأرض".
ونقل المعركة إلى أرض العدو كأحد ثوابتِ الأمن الإسرائيلي من حيث المبدأ النظري الفعلي الذي يرتكز عليه الفكر العسكري الإسرائيلي، يتمثل في ضرورة إدارة الحرب منذ البداية على أرض الخصم أو العدو أو على الأقل نقلها إلى أرضه بأسرع وقتٍ ممكنٍ بعد بدايتها، وهذه الضرورة تنبع من عدة اعتبارات، أهمها قوة الردع، والاعتبارات الأخرى كصغر المساحة الجغرافية بالنسبة للكيان الصهيوني.
وحديثاً ما زالت "إسرائيل" متبعة للأسلوب نفسه، محاولةً تجنب أي معركة أو مناوشةٍ تحدث على أرضها، ويظهر هذا واضحاً من خلال عدوانها على لبنان وقطاع غزة أكثر من مرة، حيث سعت دائماً لإبقاء المعارك بعيدة عن أراضيها، وإن لم يكن النجاح حليفها بنسبة عالية في تلك المرات، حيث تمكنت المقاومة من خوض معارك خاطفة على الأراضي الإسرائيلية وداخل استحكاماتها، وقتلت عدداً من جنودها، (عملية طوفان الأقصى مثال حي)، وأثبتت بما لا يَدعُ مجالاً للشك أنَّ أي مواجهة قادمة لن يستيطيع الكيان من خلالها أن تبقي أرضها خارج نطاق المواجهة، حيث تمكنت المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، من تحطيم أهم ركائز الأمن القومي الإسرائيلي من خلال ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية و"العمق الاستراتيجي" بالصواريخ طيلة فترة المواجهة معها، منهية بذلك عصر نقل المعركة لأرض العدو كما جرى في حروبها السابقة عندما كان يتم إبعاد "العمق الإسرائيلي" عن ساحة الحرب ومجرياتها. وبات واضحاً بشكل جلي أكثر من أي وقت مضى، أن نتائج الحروب بين الكيان وخصومه سوف تتحدد في المستقبل، ليس بناء على ما سيحدث في أرض المعركة فقط، وإنما بناءً على ما سيحدث في الجبهة الداخلية للكيان، فلم يعد هناك فاعلية لمبدأ الحدود الآمنة لـ"إسرائيل".
معضلة المواجهة مع إيران وصمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية
في مقارنة من حيث المساحة الجغرافية بين دولة إيران التي تبلغ مساحتها أكثر من 1.6 مليون كلم مربع، كما تتمتع بطبيعة طوبغرافية متنوعة تحتوي على تضاريس جبلية مناسبة لإنشاء مراكز استراتيجية حساسة، بالإضافة إلى تمتعها بطول حدود نحو 8000 كلم، 5600 كلم منها برية مع دول الجوار (العراق، تركيا، أرمينا، أذربيجان، تركمانستان، أفغانستان، باكستان)، والباقي حدود مائية مع بحرَي قزوين وعمان والمياه الخليجية. في حين تبلغ مساحة الكيان الصهيوني نحو 22 الف كلم مربع، ويبلغ طول حدودها مع مصر وقطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، 1068 كلم، فيما يبلغ طول الشريط الساحلي 273 كلم.
ومن هنا نرى أن عامل العمق الجغرافي أو العمق الاستراتيجي سوف يكون عاملاً ومحدداً أساسياً لقدرة كلا الطرفين على الصمود في الحرب القائمة حالياً، فالمواقع النووية والإستراتيجية والسيادية الإيرانية تتوزع على مساحة شاسعة جداً، وبعضها مزروع في أعماق الجبال، مقارنة بمساحة صغيرة تتركز فيها المواقع الاقتصادية والاستراتيجية والسيادية الإسرائيلية، كما أن مفاعل ديمونا الذي يقع في صحراء النقب، والذي قد تم بناؤه في ستينيات القرن الماضي، يعاني من تقادم بنائه وتحصيناته.
لا تقتصر المشكلة الإسرائيلية على ضعف العمق الجغرافي، بل تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية وهي مربطة نسبياً بمشكلة العمل الجغرافي، وهي الملاجئ الإسرائيلية؛ فهذه الملاجئ تقع في المفهوم الدفاعي الإسرائيلي الشامل في خانة "الدفاع السلبي"، والذي يتكامل مع "الدفاع الإيجابي" أي منظومة الدفاع الصاروخي المتنوعة الطبقات التي تحمي المجال الإسرائيلي.
ووفق إحصائيات رسمية تعود لعام 2021، يقدر عدد الملاجئ في الكيان بنحو مليون ملجأ، من بينها 700 ألف ملجأ خاص، حسب رصد قسم الأبحاث في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي. وتتعدد أنواع الملاجئ الإسرائيلية، فيطلق عليها "مماد" إذا كانت خاصة بشقة واحدة، و"مماك" إذا كان ملجأ جماعيا في عمارة سكنية، أما الملاجئ التي تقع في الأماكن العامة وتتبع للبلديات فيطلق عليها "ميكلت".
تتجلى مشلكة الملاجئ خلال الحرب الحالية مع إيران، من خلال عدة جوانب؛ أولاً: حسب الإحصائيات الرسمية في 2020، فإن الحكومة الصهيونية نجحت في تأمين ملاجئ لنحو 6 ملايين فرد من أصل 9 ملايين هم مجموع السكان، وهو ما يعني أن أكثر من الثلث لا يملكون ملاجئ في منازلهم وليسوا على مقربة من ملاجئ عامة. وتشير التقارير الإسرائيلية إلى عدم جاهزية 50% من الملاجئ المتوفرة.
وهنا نشير إلى أن الكيان الصهيويني يصنف المناطق التي يسكنها فلسطينيو الداخل بالمناطق المفتوحة؛ حيث لا تشملها حماية منظومات القبة الدفاعية، كما تفتقر إلى ملاجئ تناسب مع العدد السكاني.
أما المشكلة الثانية؛ فحسب تقرير لصحيفة "هآرتس"، فإن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أظهرت أن الغرف المحصنة مصممة لمواجهة تهديد محدد فقط، مثل شظايا الصواريخ بعيدة المدى وشظايا الصواريخ الاعتراضية، بينما اتضح أنها غير مصممة لمواجهة ضربة صاروخية مباشرة، أو أي تهديد غير معروف. وهو ما ظهر خلال الحرب الحالية؛ حيث أصاب صاروخ إيراني ملجأ إسرائيلياً بشكل مباشر أدى إلى وفاة من بداخله.
مما لا شك فيه أن مسألة استهداف المفاعلات النووي والمقدرات العسكرية في إيران، تحظى بإجماع على المستويات السياسية والأمنية والشعبية في الكيان، باعتبار أن قوة إيران العسكرية هي تهديد وجودي لـ"إسرائيل"؛ وبالتالي فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ليس لديها مشكلة أن تدفع أثماناً معقولة، خلال فترة زمنية ليست بالطويلة، مقابل ثمن تدمير البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.
لكن في حال دخول الكيان في حالة استنزاف طويلة زمنياً، وبسبب طبيعة حالة الرفاه التي تعوّد عليها الجمهور الإسرائيلي، فإنه من غير المتوقع أن تصمد الجبهة الداخلية؛ خصوصاً إذا تم استهداف المقدرات الاقتصادية والمعيشية والخدماتية بشكل واسع...، وهذا سوف يكون عاملاً حاسماً في تحديد مدة استمرار الحرب؛ خصوصاً إذا قوبل ذلك بحالة من الصمود والتماسك الشعبي والعسكري الإيراني واستمر استهداف إيران للجبهة الداخلية الإسرائيلية في قادم الأيام، دون إغفال عوامل وتحولات طارئة قد تدخل على الصراع؛ أبرزها المشاركة العسكرية الأمريكية كطرف رئيسي في الحرب، وهو ما قد ينقلنا إلى وضع استراتيجي آخر لا يسعنا بحثه في هذا المقال.

