الكاتب: أحمد الصباهي
شكل استهداف مخيم عين الحلوة صدمة على مستوى الوعي الشعبي الفلسطيني، ذلك أن المخيمات الفلسطينية في لبنان حيِّدت عن الاستهداف في الحروب التي شُنَّت على لبنان .
ولقد شنَّ الاحتلال حرباً شعواء في العام 2006 على لبنان، ولم تُستهدف المخيمات، بل أضحت المخيمات ملاذاً للإخوة اللبنانيين من المناطق المستهدفة، وكذلك في معركة "أولي البأس" التي خاضها حزب الله إسناداً لعملية طوفان الأقصى، لم يتم استهداف المخيمات ما خلا مخيم الرشيدية، الذي تم استهدافه بشكل موضعي أوقع شهداء وجرحى .
إلا أن الجريمة التي ارتكبها الاحتلال في مخيم عين الحلوة، لا يمكن قراءتها في سياق ما يجري في لبنان فحسب، من اعتداءات وخرق لاتفاق وقف إطلاق النار، وهو على كارثيته، إلا أن الجريمة التي ارتكبت في مخيم "عاصمة الشتات الفلسطيني" تتجاوزه إلى أهداف أخرى.
من الواضح جداً أن حكومة الكابينيت ذات التوجه اليميني المتطرف، والتي تعيش هاجس تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، ترى في الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب فرصة ذهبية لتحقيق مسار "اتفاقات إبراهام" التطبيعية، والذي يقف حائلاً أمام تحقيقه عدة تحديات منها، موضوع إقرار مسار أو عودة الاعتراف بمبدأ بـ"حل الدولتين"، والذي هو أحد بنود المشروع الأمريكي الذي أقرَّ مؤخراً في مجلس الأمن الدولي، خصوصاً بعد اشتراط السعودية الدخول في اتفاقات إبراهام بعد الإقرار بمبدأ حل الدولتين وأن يكون مساره واضحاً، وبالرغم من التشكيك الكبير بصحة هذه السياسة من عدمها، ومدى تحقيق الإدارة الأمريكية لهذا المطلب، ومدى واقعيته، إلا أنه يثر الرعب لدى الاحتلال، خصوصاً بعد اعتراف الكثير من الدول الغربية بالدولة الفلسطينية .
وبالتالي فإن التصدي لهذا المشروع لا يتوقف على التصريحات الرافضة له إسرائيلياً، بل بفرض وقائع في الضفة الغربية، والقدس، لتدمير أي قدرات جغرافية أو ديموغرافية، عبر المزيد من الاستيطان وقضم الأراضي، ودعم اعتداءات المستوطنين، وليس آخراً الحصار الاقتصادي وتهميش السلطة الفلسطينية، وصولاً الى تحقيق التهجير في الضفة الغربية، أو ضمها وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها، لحسم هذه القضية نهائياً.
أما التحدي الثاني فهم اللاجئون، لقد خدمت الصراعات في المنطقة عبر السنوات الماضية الاحتلال الإسرائيلي، في تهميش قضية اللاجئين في دول الطوق، وتحديداً في سوريا ولبنان.
وشهدت سوريا هجرة جديدة للاجئين تقدر بمئات الآلاف إلى أوروبا وأميركا، وكذلك حال اللاجئين في لبنان، الذي تناقص عددهم مع مرور السنوات، بفعل عوامل عديدة، يقف على رأسها حالة الحرمان من الحقوق المدنية والأوضاع الاقتصادية المتردية للفلسطيني، وبالتالي، فإن استهداف مخيم عين الحلوة، لا يبتعد كثيراً عن الهدف الأكبر وهو "إلغاء قضية اللاجئين في لبنان"، عبر استهداف المخيمات تحت ذرائع واهية باستخدامه لأغراض عسكرية للمقاومة، وصولاً إلى أفراغها من اللاجئين، الذين سيجدون وجودهم في المخيمات مهدداً بالخطر، وبالتالي، مع مشاريع التضييق على الأنروا، وصولاً إلى إلغاء خدماتها، يصبح التهجير إحدى الحلول المفروضة على اللاجىء الفلسطيني .
أما الهدف الأصغر، فهو إعادة تنشيط ملف نزع سلاح المقاومة في المخيمات، وشدِّ انتباه الحكومة اللبنانية، لإعادة طرح هذا الملف الشائك بقوة، من جديد، وتحت التهديد بالقصف الإسرائيلي، ليطال التهديد أيضاً اللاجئين في المخيمات، وبالتالي، فإن القصف الإسرائيلي يمهد للذريعة التالية، هذا السلاح يشكل خطراً على لبنان، واللاجئين، وبالتالي لا بد من سحبه، وهو ربما سيكون مطلباً ملحاً إسرائيلياً لاحقاً .
كذلك لا يبتعد مشهد قصف عين الحلوة عن المشهد اللبناني، وخصوصاً قصف المناطق الجنوبية، إلا أن الاحتلال يوسع استهدافاته لما يسمى التهديدات التي تطال شمال فلسطين المحتلة، وجنوب الليطاني، إلى مديات كبيرة، لتطال صيدا، وهي رسالة أيضاً للمقاومة الفلسطينية، لكن عبر المخيمات أنه سيتم استهداف مقارها، تحت حجج واهية، لتحقيق هذه الأهداف .
وفي إطار ما يجري من مفاوضات متعثرة حتى الآن للانتقال الى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار بين الاحتلال والمقاومة، إلا أن استهداف اللاجئين الفلسطينين بلبنان هي إحدى أدوات الضغط الإسرائيلية، لتقديم التنازلات .
كان من اللافت جداً، أن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي "أفيخاي أدرعي"، نشر على حسابه على منصة "إكس" منشورات كشفية قديمة لحماس تحت عنوان "جيل طوفان الأقصى" ليبرر الجريمة التي ارتكبها الاحتلال، فضلاً عن نشره صوراً من تشييع الشهداء في المخيمات بأعلام حركة حماس للتدليل على أن الجريمة مبررة، وهذا طبيعي جداً، في إطار الأكاذيب المكشوفة التي يمارسها أدرعي.
لكن أودُّ أن أسجل ملاحظتين على "الهامش"، أو من خارج السياق عما نعتبره "طبيعي أو غير طبيعي"، أولاها أن لا تحظى جريمة عين الحلوة بالتغطية الإخبارية الكافية على بعض وسائل الإعلام اللبنانية بل حتى أن البعض منها غابت عنها هذه القضية تماما، وحتى "التوك شو" و"البودكاست" لم يتعرضوا لهذه الحادثة إلا لمماً والبعض الآخر لم يتطرق إليها على الإطلاق، وهو ما شكل حالة صدمة وانتقاد، أن تستمر حالة التهمش الفلسطينية في لبنان، حتى عندما يستهدفهم الاحتلال.
أما الأمر الثاني، فهو انتشار بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لمنتسبي فتح يحمِّلون المقاومة الفلسطينية ما جرى في المخيم، وهو توظيف سياسي مكشوف وفاشل، في ظل حالة الإفلاس التي تعاني منها حركة فتح والسلطة في الضفة وغزة، وأيضاً بلبنان .
ستبقى قضية اللاجئين العنوان الأبرز لحق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه، والتمسك بحق العودة مهما كانت التضحيات، ومهما بلغ صلف الاحتلال، لن تسقط فلسطين من ذاكرة اللاجئين، فالتشييع الذي شهدته المخيمات الفلسطينية لهؤلاء الشهداء رفعت فيه شعارات التمسك بحق العودة، وكذلك التفاعل الغربي للجاليات الفلسطينية في الخارج مع طوفان الأقصى كلها مؤشرات واضحة أن قضية اللاجئين حية ولن تموت .

