Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الديمقراطية هي السبيل لإظهار قادة عرب عظماء جدد

قناة فلسطين اليوم / وكالات

بقلم / حماد صبح

ما أن تحزب شرفاء العرب حازبة، وما أكثر حوازبهم في هذا الزمان، حتى يصرخوا مستغيثين بعظماء تاريخهم، فنسمع صارخا يهتف:” عد يا صلاح الدين!”، وأحيانا يستغيثون بعبد الناصر، ويتحسرون على صدام والقذافي وهواري بومدين، وسواهم من عظماء التاريخ العربي والإسلامي قديما وحديثا. ولا وجود لهذه الظاهرة في شعوب أخرى إلا في النادر. ففي أميركا لا يستغيثون بجورج واشنطن بطل استقلالهم وتحررهم من بريطانيا، ولا بأبراهام لينكولن بطل توحيد الشمال والجنوب بعد تمرد الجنوب.

والبريطانيون لا يستغيثون بونستون تشرتشل بطلهم في الحرب العالمية الثانية. وانعدام استغاثاتهم بقدامى أبطالهم لا يعني أنهم لا يواجهون مشكلات محدثة، بل لوعيهم أن أولئك الأبطال لن يبعثوا استجابة لأي صرخات استغاثة لو أطلقوها عاصفة داويه، وكل علاقتهم بأولئك الأبطال أنهم مصادر إلهام وتحفيز لفعل ما ينفع البلاد والعباد الذي يتحتم أن يقوم به قادة جدد، ولديهم الوسيلة لإظهار هؤلاء القادة الجدد. إنها الديمقراطية بنظامها الانتخابي الذي ينفذ كل عدة سنوات محددة دستوريا.

ولو خاب أملهم في من انتخبوه رئيسا يسمح لهم النظام الديمقراطي بانتخابات مبكرة استثنائية تخلصهم ممن خيب أملهم. وهو ما فعله حزب المحافظين مؤخرا حين أزاح ليزا تراس من رئاسته وبالتالي من رئاسة الوزارة، وانتخب سوناك من العرقية الهندية رئيسا له ورئيسا للوزراء. العالم العربي محروم من هذا النظام؛ لذا تنطلق صرخات اليأس المستغيثة كلما حزبته حازبة. واليائس أرعن متلهف تصدر عنه أشياء لا معقولة، ورعونته تصده عن حزم أمره لإصلاح حاله محركا قواه الذاتية للتخلص مما يحزبه. وفي الإنسان فردا أو أمة قوى مستقرة في داخلهما تترقب تحريكهما لها لتفعل فعلها لإنقاذهما مما يحزبهما من الحوازب أيا كان نوعها، وأيا كان مدى شدتها وتعقدها.

وحل كل مشكلات العالم العربي في انتهاج النظام الديمقراطي الذي يحرك كل طاقات الأمة البشرية والمادية والروحية تيارا واحدا متآلفا متآزرا صوب ما تصبو إليه من غايات، ويجعلها مقتدرة صلبة في مواجهة ما يثب في طريقها من عقبات وتحديات. وما من حياة نقية من ألوان لا عد لها من العقبات والتحديات. ومغالبة هذه العقبات والتحديات تحمس الهمم، وتحض على البحث عن الحلول الملائمة الفاعلة، وكل هذا آيات حيوية تفعم قلب الفرد أو الأمة بالحيوية والثقة في النفس. والفوز في التغلب عليها يراكم هذه الحيوية وهذه الثقة، ويجهز النفوس في اطمئنان لمغالبة عقبات وتحديات جديدة. وتحديات الحياة لا تنتهي، والله _ تعالى _ يقول: “خلق الإنسان في كبد.”، أي أن حياته مكابدة ومجاهدة ومثابرة، وكلها من حوافز البهجة والحمية لا الاكتئاب والهمود والانطفاء. ويروقنا في الثقافة الغربية احتسابها المشاكل سوانح لا عثرات وعقبات، والإخفاق حافزا للمحاولة مجددا حتى الفوز المبين.

وكل هذه القيم تنتجها الثقافة الديمقراطية التي يشعر الناس في جوها بقدراتهم الذاتية، وأهليتهم للوصول إلى أعلى قمم النجاح، وأن هذه الأهلية ليست محصورة زورا وباطلا في سلالة القوى الحاكمة المستبدة. تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ابنة بقال، وطوني بلير رئيس وزرائها السابق عمل نادلا في مقهى، ورئيس البرازيل للمرة الثانية سيلفا دي لولا عمل ماسح أحذية. طائر الديمقراطية استقر في بلاد كثيرة، فانبعثت من مراقد جمودها وضعفها وفقرها، وقويت وغنيت، وصارت ذات قيمة تحت الشمس، مهتابة الطرف، ولم يحط هذا الطائر في بعض البلدان العربية سوى حين قصير، وطرد، بل اغتيل.

الحكام في العالم العربي حكام بأمرهم لا بأمر شعوبهم، وكلهم يُزمنون في الحكم، ويورثونه مَن بعدهم أشخاصا من ذات الأسرة الحاكمة في الأنظمة الملكية والأميرية والسلطانية والحزبية في الجمهوريات التي سميت لهذا السبب جملوكيات، فيدوم الاستبداد واللامحاسبة مع الحاكم الخالف مثلما كانا مع الحاكم السالف، ويترسخ ضعف الدولة والشعب ويتوسع، وتسحق ملايين المواهب والمهارات في الشعب، وتحرم منها ها البلاد في السياسة وتنظيم المجتمع، والاقتصاد والعلم والدفاع والدبلوماسية. في دول الخليج كل المناصب السيادية يليها أبناء العائلات الحاكمة، وتغلق في وجوه أبناء الشعب، ومهما توالى إخفاق أبناء العائلات فيها فلا إقصاء لهم منها، ولا لوم لهم، ولا نقول محاسبة، على إخفاقهم مهما فَظُع وتغالى في مداه. وفي فلسطين كل السفراء من فتح، ففسدت الدبلوماسية الفلسطينية، ولم تصنع أي إنجاز مهما تضاءل وتقزم لقضية شعبها، وصارت تورث إلى الأبناء والبنات والأقارب الأدنين.

ومنذ عامين قال أبو مازن إنه ينوي تعيين سفراء من خارج فتح، ولم ينفذ ما قال إنه نواه. وبعد إخفاق الربيع العربي الذي أرادته أكثرية الشعوب العربية سبيلا إلى نظام ديمقراطي يساوي بين المواطنين ، ويقدم الأحسن والأكفأ على الأسوأ والأخرق ؛ ترددت عبارة بين الإسرائيليين موجزها أن عالما عربيا ديمقراطيا خطر كبير على إسرائيل ،ونشطوا مع أميركا وقوى الغرب المعادية للشعوب العربية لإحباط مسعى هذه الشعوب نحو الديمقراطية ، فتخرب ما تخرب من البلدان العربية التي تفجرت فيها ثورات ذلك الربيع ، وجيء في بعضها بحكام أضرى عداوة للديمقراطية من الذين أطاحت بهم عواصف ثورات الربيع ، وانتهت أحلامه مكاسب إسرائيلية مجانية ، كثر فيها المطبعون معها، وتخطوا التطبيع إلى التحالف، وفتح بلادهم لمخابراتها وعسكرها وتجارتها، ومفسداتها لوعي وتوجهات شعوبهم القومية .

ولا حل لكل مشكلات العرب إلا بالنظام الديمقراطي، وحينئذ سيكونون قادرين في سلاسة على إظهار قادة عظماء مخلصين أكفاء يغايرون النوعية الحالية جلابة النكبات والمذلة والضعف والفقر لهم، والتي لا تأخذ شرعيتها منهم، وإنما من أميركا والغرب الأوروبي وإسرائيل، فيحمون بقاءها، وتحمي مصالحهم مضحية بمصالح شعوبها.