تقرير إبراهيم أبو صفية
للزيتون قدسية اجتماعية وثقافية ودينية خاصة، وهو يرتبط بالبركة والحياة والشفاء من الأمراض، غير أنه أصبح رمزا لأعظم قضية عادلة؛ لأن الزيتون لا يعرف إلا صاحبه الأصلاني، الذي يمتد عمره من عمر جذع شجرته، التي لها حضورا تاريخيا ثقافيا ارتبط بالذهن العربي في بلاد الشام وفلسطين خاصة، وارتبط وجودها بهوية الوطن وقدسية ترابه، فهي أكثر من شجرةٍ عاديةٍ، تحمل قيمةً دينيةً ووطنيةً وصحيةً كذلك، فضلاً عن مردودها المادي للفرد والعائلة، وفي المقابل هي وتدا في هوية المشروع الصهيوني الذي تتحداه بجذعها المعمر، فهو يحاول أن ينتقم منها بخلعها وحرقها وهي تتحداه في كل مرة تعود وتنبت من جديد، مؤكدة على أن من الرماد سيولد الفلسطيني كطائر العنقاء.
تجسدت هذه الشجرة المقدسة بنص القرأن الكريم، والتي أخصها الله بشأن عظيم وهو القسم، في قوله تعالى: "والتين والزيتون"، وما ضرب الله مثلاً بشيءٍ إلا ليُظهر الإعجاز فيه، وهذا الأعجاز استنسخ في آية أخرى، "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم"، لا شرقية ولا غربية أي المكان الذي أيضا قدسه الله بنص آياته، أي الأرض التي بارك الله فيها لعباده المخلصين بالصبر والرباط، فهذه الشجر التي قاومت وتحدت الاحتلال بصمودها وعمرها الذي فاق عمر هذا الاحتلال آلاف المرات، هي الفلسطيني الصابر الذي اتخذها رمزا كما أسلفنا في البداية.
وفي سورة التين الآية الأولى التي قسم الله بها، قال إبن العباس عنها، "أن التين بلاد الشام والزيتون بلاد فلسطين وطور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. والبلد الأمين مكة، أي أنه جمع الأماكن المقدسة والتي لها دلالات دينية لجميع الأديان السماوية.
وفي المسيحية، فأن قدسية هذه الشجرة تكمن في تكرار ذكر زيت الزيتون 140 مرة في الإنجيل، وقد جعلها المسيحيون، رمزاً للدين والآلام؛ لأن السيد المسيح تألم على جبل الزيتون، وعبرت بأسلوب بديع شبه فيه الزيت بروح الله، وذلك في مثل العشر العذارى الحكيمات والجاهلات، وتم استعمال زيت الزيتون في شفاء المرض كما جاء في رسالة يعقوب الرسول بقوله "أمريض أحد منكم، فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه و يدهنوه بزيت باسم الرب"، وورد في إنجيل مرقص وَأَخْرَجُوا شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَدَهَنُوا بِزَيْتٍ مَرْضَى كَثِيرِينَ فَشَفَوْهُمْ." ويقوم المسيحيون يمسح أطفالهم بزيت الزيتون اثناء عمادهم، كما استقبل سكان القدس المسيح بأغصانها يوم دخل المدينة قبل موعد قضية "الصلب" حسب ما ذكر في الأثر المسيحي، حيث يستمرون حتى يومنا هذا بحمل الأغصان في الذكرى (أحد الشعانين)، وكما أن لهم اعتقادا آخر عن شجرة الزيتون ففي عيد الصليب المقدس في 13 أيلول وفي عيد الغطاس في 6 كانون الثاني، فإن شجرة الزيتون تنحني احتراماً لوجه الله.
وعبر الكاتب الفلسطيني، حسان نزال، العلاقة الاجتماعية المقدسة بهذه الشجرة قائلا: فإن في كل موسم تشريني يهجع الفلسطيني تحت شجرته الوارفة، يرسم في ظلها أحلامه وينزُّ منه عرق يرويها ويعاهدها على العودة إليها كلما استشعر غربة أو ظلمته الليالي والسنون، شجرة لا تكلُّ ولا تمل، شجرة كلما اقتلعتها جرافة أو أضرمت فيها نار أو أُسدلت دونها جدر وأسيجة هبت تعاهد ربها، هبت تعاهد غارسها بأن زيتها مضيء وسيبقى، إذ تطلق لروح الحياة فيها العنان فتتجدد وتكبر وتكتسي حلتها المنزوعة من جديد، بعد أن يسري في كيانها خير السماء ويداعب جدائلها المتدلية، ظلا ودفئا وزيتا.
حيث يتميز شهر تشرين من كل عام، بأجواء فلسطينية يملؤها الحب والتعاون، فالأجواء العائلية، المميزة والنادرة، وخصوصا فيما تسمى "العونة" وهي أن يشارك الجيران جيرانهم بقطف ثمار الزيتون، و هي من التقاليد القديمة في مجتمعنا، وهذه صورة تعكس عمق الانتماء للأرض والمجتمع، وتعمل على تقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وتزرع قيم التكافل والتطوع.
غير أن لهذا الشهر، أي تشرين عمقا ثوريا على مدار تاريخ القضية الفلسطينية، حيث أضاء دم الشهداء الممزوج مع سيلان الزيت، عناوين المقاومة والجهاد، وأسسها القائمة على الثبات والرباط والمصابرة، والتحدي الذي تمثله هذه الشجرة أمام المشروع الصهيوني برمته.
فأن من أسس المقاومة، كما وحثنا عليها سيدنا النبي محمد منذ 1400 عام، في حيال وجود مانع احتلالي أو شيء أخر لم نستطيع من خلاله الوصول إلى المسجد الأقصى والأرض المباركة، قائلا: " فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ". فزاد الزيت قدسية فوق قدسيته، وهو إضاءة المساجد والكنائس والأديرة.
وعلى أثر قداسته، أنسب إليه مهمة علاجية في الطب الشعبي الفلسطيني حيث استعمل كما تفيد قاعدة بيانات بيرك للطب العربي الفلسطيني التقليدي لتقوية جذور الشعر ومنع تساقطه، ولمعالجة الحكة والقمل، ومرهما لتخفيف آلام المفاصل. كما استعمل الزيت لمعالجة مشاكل الجهاز التنفسي، والسعال وأمراض الجهاز الهضمي، وحصى المرارة، وتقوية الأسنان والفكين، وفي علاج أمراض الأذن. وكذلك استخدم مسحوق أوراقه لعلاج الجروح والصدفية، ومغلي أوراقه لتخفيض ضغط الدم المرتفع ومرض السكري ولمشاكل البروستاتا وأمراض الجهاز البولي.
وآخيرا، نستعرض بأن هذه الشجرة المباركة والمقدسة، يزداد الطلب على زيتها فلسطينيا، خصوصا في وسط الضفة المحتلة وتحديدا في مدينة رام الله، والتي تعتبر موطنا مهما لهذه الشجرة، إلا أن مستوطنات الاحتلال التي أحاطت المدينة وقراها، ابتلعت آلاف الدونمات التي تحتوي على مئات آلاف الأشجار، فأصبحت تفتقر لهذا الزيت المهم في الكثير من العادات المجتمعية بالمدينة، من إضاءة الكنائس والمساجد والأضرحة والمقامات بزيت الزيتون على الرغم من ظهور أنواع الإضاءة الحديثة، إضافة إلى دهن المولود الجديد بشكل يومي بزيت الزيتون حتى تقوى عظامه، إضافة إلى التقدير في صنع التحف من جذوع الزيتون الكبيرة. حسب ما أفاد الكاتب والباحث موسى سندش

