| محمد أبو شريفة
تعددت المآسي التي تشهدها القدس المحتلة يومياً: استيطان، تهويد، اعتقالات، سرقة، اغتصاب ممتلكات، طرد، تطهير عرقي، تدمير ما بنته الأجيال العربية الفلسطينية في القدس على مر تاريخها بغية شطبها من المعادلة السياسية، إضافة إلى جملة من الأهداف الأخرى التي يسعى لتحقيقها المخطط الصهيو- أمريكي ومن يدور في فلكه.
وتضع الحكومات الصهيونية المتعاقبة ثقلها في استثمار المناخات المضطربة إقليمياً وعربياً من أجل فرض مخططات استيطانية احتلالية للسيطرة على القدس ومحيطها وتمرير تسويات سياسية بائسة على جسد القضية الفلسطينية.
إن الهدف المباشر من إحكام المخططات الاستيطانية في القدس هو تفتيت البلدة المقدسة وعزلها وتقطيع أوصال الضفة الغربية وإخراجها من أي معادلات سياسية قادمة والانخراط الكامل بالمشروع الأمريكي المسمى «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية.
فمنذ احتلال القدس بشكل كامل في عام 1967، أقامت قوات الاحتلال عشرات المستوطنات في محيطها ونحو ستين ألف وحدة سكنية، وتضاعفت وتيرة البناء الاستيطاني عقب فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016 بشكل ملحوظ مقارنة بالعقدين الأخيرين وتم التصديق حينها على بناء 1861 وحدة استيطانية جديدة بالإضافة إلى منح حكومة نتنياهو قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال.
ويهدف التهويد إلى عزل أحياء مقدسية بجدار الفصل العنصري، وعدها خارج مدينة القدس، ومنع أهلها من الدخول على غرار العيزرية وأبو ديس وسحب الهويات المقدسية ومنعهم بعد ذلك من الإقامة في القدس، وذلك لضرب طوق استيطاني أمني حول المدينة لتشمل المستوطنات الآتية: «هار حوما» جبل أبو غنيم، «معاليه أدوميم» أراضي أبو ديس، «بزغات زئيف» أراضي حزما وبيت حنينا، «نفي يعقوب» على أراضي بيت حنينا وضاحية البريد، «جبعات زئيف» على أراضي الجيب وبدّو، «ريخيس شفاط» على أراضي شعفاط.
ولم تكتفِ حكومات الإرهاب الصهيوني بتنفيذ هذه المخططات فوق الأرض فحسب حيث استوطنت باطن الأرض في الوقت عينه وتعمل بشكل دؤوب على حفر الأنفاق تحت الأقصى من أجل ربط المشاريع الاستيطانية كلها، ووصل الأجزاء الشرقية والغربية من المدينة، وقد تم حفر 25 نفقاً بمختلف الاتجاهات شمالاً وجنوباً وغرباً بهدف بناء مدينة «داوود» المزعومة تحت المسجد في منطقة سلوان العربية. وضمن هذا السياق يجري توزيع عشرات الإخطارات بالهدم في العيسوية لإقامة ما يسمى «الحديقة التلمودية التوراتية» المسماة «الحديقة الوطنية» التي تفصل ما بين قريتي الطور والعيسوية، وتمنع أي تمدد جغرافي لقرية العيسوية المحاصرة.
وصدقت «حكومة الاحتلال الإسرائيلي» على زيادة ميزانية ما وصف بمخطط تطوير البنى التحتية وتشجيع الزيارات لساحة البراق في القدس الشرقية.
وعززت حكومة الاحتلال قوانينها العنصرية وإجراءاتها الاستيطانية بـ «شرعنة» ما يعرف بقانون أساس القومية الصهيوني الذي تجلى بمجريات منطقة وادي الحمص في صورباهر، وهدم الأماكن الإسلامية القديمة التاريخية، وتحويل المصليات إلى كنس، أو هدمها وبناء مبانٍ مكانها.
إذا كانت الحكومات الصهيونية المتعاقبة ومن ورائها اليمين الأمريكي الصهيوني يريدون استباق الأحداث والمتغيرات المتسارعة على الصعيد الفلسطيني والإقليمي بتشديد الهجمة الاستيطانية التهويدية على القدس وضمن مايسمى « صفقة القرن» لشطب القضية الفلسطينية وإغلاق ملف الصراع العربي- الصهيوني لإخراج الكيان من مأزقة التاريخي الذي يواجهه، والذي تتمظهر معالمه يوماً تلو الآخر فإن أمنيتهم لابد من أن تخيب، وإذا كانت أكثرية هذه الإجراءات الاحتلالية تتعلق بقرارات وقوانين أمريكية لا تغير كثيراً من الوضع القائم في ظل الاحتلال الاستيطاني العنصري الصهيوني فإن الأساس في تمرير ونجاح هذه المشاريع أو الصفقات السياسية غير متوفر وهو قبول المقدسيين ومن خلفهم الشعب الفلسطيني صاحب القضية والأرض والذي لا يمكن تغييبه قسراً وإبعاده عن مسرح التاريخ، ولا يمكن الهجوم على القدس وتهويدها في ظل صموده ومقاومته لوجود الاحتلال ورفضه القاطع لكل ما يمس بحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف في أرضه.

