حماد صبح
في مستطاعنا القول مطمئنين إن التكتل الرباعي الذي عقد مؤتمره التأسيسي في العاصمة الماليزية كوالا لامبور ؛ هو أول تكتل إسلامي أو عربي ليس وراء تكوينه يد غربية أوروبية أو أميركية . ” جامعة الدول العربية ” كانت بريطانيا وراء تأسيسها في مارس 1944 لقطع الطريق على تكوين وحدة أو اتحاد عربي يعمل فعلا على حماية العرب وتنمية بلدانهم ، و” منظمة المؤتمر الإسلامي ” التي غيرت اسمها إلى “منظمة التعاون الإسلامي ” حركت أميركا خطوات تأسيسها في 1969 لمواجهة الاتحاد السوفيتي مستثمرة جريمة حرق يهودي أسترالي منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى ليبدو تأسيس المنظمة ردا إسلاميا جماعيا على تلك الجريمة .
و”مجلس التعاون لدول الخليج العربية ” كانت أميركا وبريطانيا الداعيتين لتأسيسه في 25 مايو 1981 للوقوف في طريق الثورة الإيرانية . وهزال وعدمية ما أفادت به التكتلات الثلاثة العالم العربي والإسلامي يشهد على نوايا تكوينها التي لم تكن عربية أو إسلامية نقية . تكتل كوالا لمبور الرباعي في مستطاعنا القول إنه مختلف عن تلك التكتلات . تركيا وإيران وماليزيا ليست أدوات خاضعة في يد الغرب الأوروبي والأميركي . تركيا منافسة ومتحدية له مع أنها عضو في الناتو ، وإيران في حالة عداء مع أميركا ، وبلا ود مع الغرب الأوروبي . وقطر صاحبة العلاقة الوثيقة بالغرب خاصة أميركا محدودة التأثير على توجهات التكتل ، وتريد منه الأمان في وجه الرباعي العربي المقاطع لها . وماليزيا ذات خصوصية استقلالية في هويتها الوطنية وسياستها الدولية تنزهت بها عن التقرب من إسرائيل استرضاء لأميركا والغرب الأوروبي مثلما تفعل أكثرية الدول العربية .
وأظهر قادة الدول الأربع نضجا ومسئولية عالية في مخاطبة العالم ، وإن ظهر أردوغان كعادته ، وهو محق في هذا ، صقريا متحديا حين تكلم عن حرمان المسلمين بمليارهم وسبعمائة مليونهم من وجود ممثل دائم لهم في مجلس الأمن ، فالعالم مثلما قال ليس خمس دول . وما أظهره النظام السعودي من عداء نحو التكتل الجديد ليس مفاجئا حين أبدى تخوفه من أن يكون بديلا لمنظمة التعاون الإسلامي التي يهيمن عليها لواقع وجود مقرها في جدة . وطمأن مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الملك سلمان بأن هذا ليس ما يستهدفه التكتل ، ومهاتير صادق أمين في قوله ، فقمة التكتل تمحورت حول ” دور التنمية في الوصول إلى السيادة الوطنية ” ، وما أعظم الهدف ، وما أصلح الوسيلة ! الهدف والوسيلة يوضحان التطلع الشريف النبيل للتكتل . يريد أن ينفع العالم الإسلامي ، وأن يفتح أبوابا كثيرة واسعة لهذا النفع بأصح الوسائل وأفعلها وأبعدها عن معاداة الآخرين . إنه تكتل حضاري تنموي إنساني ، لا تكتل يبحث عن زعامة جوفاء . ونوعية دوله تؤكد هذا التوجه ، فكلها ناجحة في حقول التنمية الشاملة بما فيها قطر التي لا يرجع نجاحها في التنمية إلى غناها بثروة غازها وحده ، فقد تعزز هذا الغنى بكفاءة القيادة القطرية ، وحيوية مواطني الدولة الصغيرة . تكتلٌ دولُه بهذه المزايا يشجعنا على توقع نجاحه دون تجاهل شدة وخطورة ما سيلقيه أعداؤه في دربه من معيقات ومحبطات .
الغرب وإسرائيل والأتباع العرب سيضمون قوى صفوفهم لقتل التكتل ، وفاز النظام السعودي من البداية بإبعاد باكستان وأندونيسيا عنه بعد أن وافقتا على أن تكونا من مؤسسيه الستة ، فتأسس بأربعة . ونجاح التكتل في إنجاز الأهداف التي احتوتها المذكرات الثماني عشرة التي وقعها قادته الأربعة في ختام قمته سيزيد أعضاءه عددا ، ولا شيء ينجح كالنجاح ، ودوله نجحت منفردة ، ومن المنطقي واليسير أن تنجح مجتمعه ، وقد تكون قدوة لغيرها في العالم كله ، وتقدم مثالا لنجاح تكتل إسلامي ليس وراء تكوينه قوى غربية تتخذه ستارا خادعا لمصالحها .

