" كيف استغلت إسرائيل منظمات الإغاثة الإنسانية للتجسس على القطاع"
كتب رئيس التحرير
قطاع غزة هذه البقعة التي لا تزيد مساحتها عن 265 كم مربع ويعيش فيها أكثر من 2 مليون إنسان، خاضت ثلاثة حروب ما بين العام 2008 والعام 2014 ، ومحاصرة منذ العام 2007، وأُجُبرت إسرائيل على الانسحاب منها في العام 2005. هذا بخلاف موقعها وموضعها وأهميتها المعنوية والنضالية والثورية كرافد للثورة الفلسطينية وللمقاومة، كل ذلك جعل من الحصول على معلومات أمنية ولوجستية واجتماعية أمرا مهما وملحا بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي بوجه خاص ولكل الأطراف المهتمة والمعنية بالقطاع كمكون وكجزء أساسي ومركزي للقضية الفلسطينية .
كل متغير كل تطور كل حدث كل مواجهة كل عرض عسكري كل طلقة في قطاع غزة هي معلومة تسعى إسرائيل وحلفائها للحصول على قصتها كيف وصلت كيف صنعت من يقف ورائها. إن مراجعة" الغزيين" الذين تعرضوا للاستجواب أو التحقيق أو التوقيف في المطارات العربية يعلمون ذلك وقد بدت علامات الدهشة عليهم من نوعية وطبيعة الأسئلة التي تطرح عليهم من قبل الأجهزة الأمنية العربية الشقيقة، فكيف الحال بالنسبة لإسرائيل!!
التجسس على قطاع غزة أو في قطاع غزة قديم ومساراته وأدواته ومقوماته متعددة ويعاني من فقر في التوثيق والتتبع والربط ربما سقط الأمر سهوا، ودون استغراق في الأمر، فإن هناك مجموعة متغيرات أثرت مؤخرا وتحديدا العقد الأخير في مسارات التجسس في قطاع غزة أولوياته واهتماماته بشكل كبير.
أول هذه المتغيرات هو الخروج الإسرائيلي من مغتصبات قطاع غزة العام 2005، وهو ما أفضى لفقدان قطاع مهم في العمل الاستخباراتي الإسرائيلي، وجود المغتصبات كان يوفر قاعدة بيانات بشرية وتقنية ولوجستية لإسرائيل والخروج من القطاع أفضى لفقدان هذا كله، المتغير الثاني فوز حماس بانتخابات العام 2006 بالأغلبية ثم توليها إدارة قطاع غزة بالكامل وهو ما وفر تموضع متغير ومختلف للمقاومة الفلسطينية وفصائلها في القطاع، انسحاب السلطة من القطاع أيضا كان خسارة كبيرة جدا في قاعدة المعلومات على الأقل وفي حرية حركة فصائل المقاومة وتسليحها ومقدراتها ومكونات هذه القدرات، وهو خروج أفضى لاتساع المقاومة أفقيا وعموديا وتنامي حضور متعدد الأبعاد للمقاومة. الأمر الذي اقلق إسرائيل وحلفائها بشكل اكبر وأكثر؛ ومن جهة أخرى شكل الحصول على المعلومات من قلب القطاع أهمية وأولوية اكبر من قبل.
المتغير الثالث الحصار وإغلاق المعابر وتوقف عملية الاحتكاك بين المواطنين وبين الاحتلال وأجهزته الأمنية على المعابر أو غيرها حتى تقليص مساحات الصيد في البحر أمر يمكن النظر إليه من زاوية ايجابية مختلفة، لأن مناطق الاحتكاك المخفية هي مربط الفرس وكلما تم تقليصها أو تكثيف الحضور بها ومراقبتها ومتابعتها كلما قلت عمليات التجسس وتوظيف العملاء .
استعاضت إسرائيل في محاولة منها لتعدي الأمر وتجاوزه بالتقنيات الحديثة والاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل لكنها واجهت تآكل في الكادر البشري المتعاون معها في قطاع غزة خاصة بعدما قامت المقاومة الفلسطينية بمتابعة هؤلاء وملاحقتهم والتضييق عليهم وتنفيذ حكم الإعدام كردع لهم ومن قبل فتح باب التوبة لعدة مرات، ثم عامل التبعات الاجتماعية المترتبة على العمالة في المجتمع والتي تمتد أثارها، هذه كلها قضايا وتحديات أثرت في حدود ظاهرة العملاء في القطاع .
لم تكن التقنية التكنولوجية كافية وان كانت قد سهلت الاتصال والتواصل إلا أنها لم توفر على ما يبدوا قاعدة وافية وكافية من المعلومات، وربما ضاقت المساحات التي يتحرك فيها العملاء في القطاع لعدة أسباب ذكرت بعضا منها فيما سلف، لذلك انتقلت إسرائيل لأدوات جديدة أخرى مثل زراعة عملاء بعيدين عن الاشتباه وقادرين على التحرك بأريحية وبغطاء إنساني بعيد عن أية علاقة متوقعة بإسرائيل وكان استغلال حالات الحرب والحصار وتردي الوضع الإنساني في القطاع مدخل لهذا الأمر فعمدت لإدخال عملائها عبر بوابة المنظمات الدولية.
وقد تعددت آليات توظيف تلك المنظمات فقد يدخل العملاء على شكل أجانب من دول لا يمكن الاشتباه بان ضباط الموساد يحملون جنسيتها، وقد يكون عن طريق إسقاط موظفي هذه المنظمات أولا، وقد يكون من خلال اختراق قاعدة بيانات وهواتف موظفي هذه المنظمات، وقد يكون من خلال أن يقوم الموساد بتأسيس منظمة دولية ما في دولة ما ودخول القطاع من خلالها، الآليات أكثر من أن تُحصر وما أوردته عينة فقط.
أدت الحاجة والحصار والحرب والتردي الاقتصادي والاجتماعي إلى كثافة حضور المنظمات الدولية وتعدد مسمياتها وموظفيها وخدماتها؛ وكلها أمور تسمح بإحداث عملية اختراق، لأنه ببساطة في ظل الطوارئ والحاجة الماسة تحدث عمليات ارتخاء امني ولا يمكن للأجهزة الأمنية مثلا في قطاع غزة منع أي منظمة دولية في ظل الظروف الحالية من تقديم المساعدات، والإمكانيات البشرية والتقنية واللوجستية المتوفرة للأجهزة الأمنية في القطاع لا تسمح بمتابعة ومراقبة ورصد حركة كل المنظمات الدولية العاملة في القطاع. في العام 2009 بعد الحرب دخل لقطاع غزة عدد مهول جدا من موظفي المنظمات الدولية ولم يكن ممكنا حينها متابعتهم جميعا.
إسرائيل التقطت هذا الخيط وبدأت تُحدث تجسسها على القطاع من خلال هذه الآلية سواء بعلم مسبق من هذه المنظمات أو بدون لا يهم ما يهم إسرائيل هو ما تحصل عليه من معلومات. ووصل الأمر حد أن ترسل إسرائيل ضباط مخابراتها للتجسس على قطاع غزة وفيه من خلال اختراق وفود هذه المنظمات أو من خلال تشكيل وفد مخابراتي كامل يدخل ويخرج من والى غزة تحت مسمى موظفي منظمات الإغاثة الدولية الإنسانية. هذه ليس سيناريو مقتصر على غزة فقط فتوظيف منظمات الإغاثة الإنسانية في عمليات التجسس اكبر من أن يُحصر في العالم وسندرج عدة نماذج وغزة ليست استثناء.
إن الهدف ليس تشويه الدور الإنساني لمنظمات الإغاثة الدولية الإنسانية العاملة في القطاع ولكن هذه محاولة لإلقاء الضوء وتسليطه على السؤال المركزي كيف وظفت إسرائيل هذه المنظمات لاختراق قطاع غزة والتجسس على مواطنيه. ويفترض ألا يقل اهتمام هذه المنظمات بالأمر وتبعاته عن اهتمامنا خاصة وان استغلال إسرائيل لهذا الأمر يضع موظفي هذه المنظمات ويضعها في دائرة الاشتباه ليس للأجهزة المعنية بل لدى الناس العاديين في القطاع وبالتالي فان النظر والتعاطي مع هذه المنظمات وموظفيها سيصبح مختلف تماما بل ومقلق أيضا. ويفترض ألا يمر الأمر هكذا بكل بساطة..!
منظمات الإغاثة الدولية والاستخبارات
التجسس أو العمل الاستخباري لا يتوقف في بعض الأحيان عند مجرد جمع المعلومات، بل يتعدى ذلك إلى بث الفرقة والتناحر بين المجموعات السكانية، وبطبيعة الحال فإن مكائد المنظمات الدولية التي تتستر بستار الإغاثة والعمل الإنساني لا تقتصر على دولة معينة، بل تمتد بامتداد الكرة الأرضية، ففي العراق مثلا تنتشر أكثر من 100 منظمة تنصيرية تعمل بتنسيق كامل مع وكالات الإدارة الأمريكية.
وفي إندونيسيا يتكرر السيناريو نفسه طبقاً لما أدلى به رئيس مجلس الشورى الإندونيسي الدكتور هدايات نور (أنها مساعدات إنسانية في خارجها، وهي في حقيقة الأمر مساعدات جهنمية شيطانية، فهدفهم التنصير، وليس نجدة المتضررين! وسبق أن طردت عدة جهات خيرية غربية بعد اكتشاف المواطنين لأهدافهم الخبيثة)، وهذه بعض النماذج.
ويمكن إرجاع هذه الشكوك إلى عدد من النقاط:
- عدم تناسب ما تم الإعلان عن تقديمه مع حقيقة ما وصل.
- منظمات الإغاثة, مثل: «كير» و «أطباء بلا حدود» و «أكسفام» و «صندوق إنقاذ الأطفال», تتنافس للسيطرة على مناطق الكوارث؛ للحصول على نصيب الأسد من أموال الإغاثة.
فقد أعلنت هذه المنظمات والدول المانحة تقديم ملايين الدولارات، بل المليارات, لمساعدة المتضررين، لكن ما وصل إلى البلاد أقل كثيراً مما هو معلن, والذي يصل يُبدَّد معظمه على موظفي هذه المنظمات والفنادق الفاخرة.
وتشير عدد من التقارير إلى أن الفساد ضارب بجذوره في هذه المنظمات والهيئات, فقد سبق أن بيعت المواد الغذائية التي تحمل شـعار «الأمم المتحدة» في الأسـواق العامة, ولهذا أجرت المنظمة تحقيقاً لم تُعرف نتائجه بعد، حتى أصبحت سـمعة منظمات الإغاثة الغربية لدى كثيرين سيئة, ومقترنة بالهيمنة والفساد وتوزيع المواد منتهية الصلاحية.
تؤكّد الصحفية الهولندية ليندا بولمان، التي أصدرت كتاباً يحمل اسم «قافلة الأزمة»، أن المساعدات الإنسانية تحوّلت إلى صناعة رائجة، فالعديد من منظمات الإغاثة, مثل «كير» و «أطباء بلا حدود» و «أكسفام» و «صندوق إنقاذ الأطفال», أضحت تتنافس فيما بينها للسيطرة على مناطق الكوارث؛ بغية الحصول على نصيب الأسد من أموال الإغاثة.
يُلاحَظ أن قسطاً كبيراً من أموال المساعدات تُنفق لتغطية التكاليف الإدارية واللوجستية لوكالات الإغاثة، بما في ذلك مرتبات العاملين بها الذين يتنقلون في سيارات فارهة، ويعيشون في نُزل توفّر لهم مظاهر الرفاهية والأبّهة التي اعتادوها.
وطبقاً لوصف الطبيب الفرنسي جان روفين صاحب كتاب «المأزق الإنساني»؛ فإن الصعوبات الواقعية في الصومال لم تنشأ من نقص في الغذاء أو المعونات المالية، وإنما من عدم الكفاءة في توزيع تلك المساعدات، بالإضافة إلى عدم الاستقرار المزمن في البلاد.
وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن كل 13 دولاراً يتم جمعها في الخارج لا يصل منها سوى دولار واحد فقط ، وذلك يعني ببساطة شديدة تبديد معظم أموال المساعدات قبل وصولها إلى مستحقيها!
وتؤكّد راسنا فارا، وهي محللة تقيم في نيروبي، الأمر قائلة: «إن غالبية الأموال التي يتمّ جمعها تُنفق إدارياً ولوجستياً, على شكل رواتب مثلاً، ناهيك عن الأموال التي قد يسرقها اللصوص أو المتعاقدون لتجد طريقها إلى المحلات لتُباع للجياع بأسعار جنونية», وهكذا، تصير المجاعة والمساعدات، مراراً وتكراراً، هي النمط السائد.

