تواصل سلطات الاحتلال، ومنذ انتفاضة القدس التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة، احتجاز 50 جثمان شهيد (بينهم 12 طفلاً و5 فتيات)، وذلك بعد أن اضطرت قوات الاحتلال تحت ضغوط مختلفة إلى تسليم 11 جثماناً،
وأبلغت جهات رسمية نيتها تسليم 9 جثامين أخرى، لكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك بسبب رفض ذوي الضحايا شروط التسليم التي تتنافى مع الأعراف الدولية بخصوص مراسم الدفن بما يضمن كرامة الإنسان حياً أو ميتاً.
ويتضح من المداولات التي تجري مع المستشارين القانونيين، أن قرار الاحتجاز هو قرار سياسي ليس فقط لا ينسجم مع المبادئ القانونية وإنما يتعارض مع توصيات المستويات الأمنية. بل أكثر من ذلك يستدل من المساومات التي تجريها سلطات الاحتلال مع عائلات الضحايا أو محاميهم وحتى مع ممثلي السلطة الفلسطينية، أنها تضع شروطاً غير قانونية وغير مقبولة لتسليم الجثامين، ومنها اشتراط عدم إجراء تشريح عدلي للجثامين، بل وفي حالة مثبتة منع حتى معاينة الجثمان في المستشفى من فريق طبي ومن ممثلي النيابة العامة.
إلى ذلك سبق لسلطات الاحتلال في القدس أن رفضت إصدار قرارات بتشريح بعض الجثامين بناءً على طلبات عائلاتهم التي جوبهت برفض الاحتلال لإجراء مثل هذا التشريح، وفرضت على بعضهم غرامات بسبب تشييعهم في جنازة جماهيرية.
وفي هذا السياق قال ممثلو الهيئات الرسمية والأهلية والشعبية، إن ما سبق يؤكد أن أحد أسباب استمرار احتجاز الجثامين مرتبط برفض فتح تحقيق في ملابسات استشهادهم، وهو ما يعزز الاعتقاد، الذي تتوفر عليه شواهد عديدة، بوجود جرائم إعدام خارج القانون ومنع تقديم الإسعاف الأولي والتنكيل بالضحايا قبل استشهادهم، واستخدام القوة المميتة دون ضرورة ودون تناسب مع وضع الشهداء الذين توجد بحقهم ادعاءات ثبت أن بعضها مفبرك. يضاف هذا العدد إلى قرابة 268 جثماناً محتجزين في مقابر الأرقام (بعضهم منذ عقود), و19 جثماناً تم احتجازها في الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
هذا وتفرض المادة (130) من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة (34) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، الذي يعتبر جزءاً من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول، بشكل صريح، دفن المعتقلين المتوفين أو من يسقطون في أعمال القتال باحترام وإتباع إجراءات تتناسب وثقافتهم الدينية، وبمجرد أن تسمح الظروف عليها واجب تقديم بيانات ومعلومات وافية عنهم، وحماية مدافنهم وصيانتها وتسهيل وصول أسر الشهداء إلى مدافن أبنائهم واتخاذ الترتيبات العملية بشأن ذلك، وتسهيل عودة رفات الشهداء وأمتعتهم الشخصية إلى ذويهم.
كما تخالف ممارسات الاحتلال بهذا الشأن قرارات محاكم الاحتلال نفسها، التي اعتبرت أن مبدأ الكرامة الإنسانية ينطبق على الجثامين مثلما ينطبق على الأحياء ويمتد ليشمل أسر الضحايا وذويهم.
يذكر أن قيادة جيش الاحتلال تعترف أن احتجاز الجثامين لا يشكل عاملاً رادعاً، بل كانت قد قدمت التزاماً لمحكمة الاحتلال في جلسة عقدت للنظر في تسليم الجثامين المحتجزة، بتاريخ 13 تموز/يوليو الماضي، بأنها سوف تتوقف، اعتباراً من ذلك التاريخ، عن احتجاز الجثامين، وأنها ستعيد الجثامين التي تحتجزها بعد التعرّف عليها بواسطة الفحص الجيني (الـ دي ان ايه).
ويضاف احتجاز جثامين الشهداء إلى سلسلة من العقوبات الجماعية التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني، ومنها هدم المنازل كإجراء عقابي، وقبل إدانة من "يتهمون" بمقاومة الاحتلال، والتهديد بسحب الهويات وحتى الإبعاد إلى قطاع غزة.
كما تخفي سلطات الاحتلال أي معلومات حول هذه الجثامين، ولا تعطي عائلاتهم شهادات وفاة حسب الأصول، وفي بعض الحالات تعتقل سلطات الاحتلال أحد أفراد عائلته للتحقيق أو الاعتقال الإداري.
ومن هنا يطالب ممثلو الهيئات الشعبية والأهلية والرسمية والقوى السياسية وعائلات الضحايا، في بيانهم، بـ:
1- تسليم كافة الجثامين إلى عائلاتهم دون شروط مسبقة حتى يتسنى لعائلاتهم تشييعهم ودفنهم بما يليق بكرامة الإنسان حياً وميتاً.
2- تشكيل لجنة طبية محلية وبمشاركة خبراء دوليين، للإشراف على عملية التشريح لكل جثمان تطالب عائلته بذلك للوقوف على الأسباب الحقيقية للوفاة، ووقتها، وأنواع الذخائر التي استعملت ونوع السلاح المستخدم، والمسافة التي أطلق الرصاص منها.
3- ملاحقة ومساءلة كل من يثبت تورطهم بالمشاركة أو إصدار الأوامر في حالات إعدام خارج نطاق القانون.
4- مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإصدار موقف من منع إجراء التشريح واحتجاز الجثامين باعتبار ذلك مخالفة للقانون الدولي الإنساني وتوفير خبراء للوقوف على عمليات التشريح.
5- مطالبة الأطراف الثالثة بالضغط على حكومة الاحتلال للالتزام بالأحكام التي تنظم النزاعات المسلحة وحماية المدنيين، والتوقف عن انتهاك الكرامة الإنسانية للضحايا وعائلاتهم، بغض النظر عن مدى صحة الاتهامات الموجهة لهم.
5 - عدم تحويل قضية الجثامين إلى قضية تفاوضية وعدم قبول المساومات التي يفرضها الاحتلال، لأن الاحتجاز غير قانوني ويجب أن يتم التسليم دون قيد ولا شرط أو مقابل من أي نوع.
ختم بيان ممثلي الهيئات الشعبية والأهلية والرسمية والقوى السياسية وعائلات الضحايا.

