قبل يومين داهم جنود الاحتلال مخيم الدهيشة في ساعات الفجر الاولى، قدر العدد بثمائة جندي وأكثر، واعتلى القناصة اسطح المنازل قبل ان يتم الانتشار، تلاه تسلل عدد من الوحدات الخاصة من مداخل فرعية
عندما بدأ الشبان مواجهاتهم ومناوشاتهم، واصيب عدد بجراح متفاوتة، وأمطرت الشوارع بقنابل الغاز، في هذه الاثناء كان اكثر من ضابط مخابرات يقتحمون عشرات البيوت بحثا عن شبان يافعين، لكنهم لم يوفقوا الا بإعتقال شاب واحد يافع اسمه محمد ابو عكر. ابوه نضال الذي خاض قبل شهرين اضرابا عن الطعام مع خمسة من رفاقه دام اربعون يوما، احتجاجا على اعتقالهم الاداري الذي تمدد اربع مرات. وكان محمد يتصدر حملة تضامن مع ابيه وصحبه في خيمة نصبت امام المخيم، حتى اندلعت الهبة/ الانتفاضة الجديدة.
في الانتفاضة الاولى، استشهد شقيق نضال الاصغر، محمد ابو عكر عن تسعة عشر عاما، حين اصيب برصاصة في بطنه ادت الى استئصال كل امعائه، وعاش قرابة ثلاث سنوات بدون امعاء، واطلق عليه الاطباء هنا وفي امريكا لقب محمد العجيب.
فجعت امه "مالكة" باستشهاده، لكنه عمليا اخرجها من قمقمها الذي حشرها المجتمع الذكوري بداخله، واصبحت هذه المرأة التي لا تجيد القراءة والكتابة، مثلها مثل بنات جيلها في فلسطين وبقية اصقاع العرب، اصبحت مناضلة عنيدة دؤوبة لا يشق لها بنان، لها مواقف سياسية صارمة، كأنها ارادت ان تقول لمحمد الذي قضى مبكرا: انا سأكمل مشوارك. فالتقت بمعظم زعماء منظمة التحرير في عصرها الزاهر، حبش وعرفات وابو علي الذي زارها في بيتها قبل استشهاده، ثم تحولت الى اشبه بزعيمة شعبية بعد ان التقت بالزعيم الفنزويلي هوغو شافيز، وعندما رحل قبل ثلاث سنوات أبّنته على طريقتها الخاصة، بأن فتحت خيمة عزاء وخبزت له الزلابيا واطعمتها للمؤمّين كي لا تتراجع ثورته، وكانت تطلب منهم ان يقرأوا الفاتحة على روحه الطاهرة.
حرصت "مالكة" ان تحيي ذكرى استشهاد ابنها محمد في كل سنة وعلى مدار ربع قرن، وفي السنة الاخيرة، اعتصمت مع ابنها نضال على مدار اربعين ليلة، وشاركت في مؤتمر الحقوقيين العرب الذي عقد في عمان، ولقيت كلماتها البسيطة التفافا حقيقيا اكثر منه حقوقيا لكل من سمعها.
في الانتفاضة الاولى، كانت مالكة، اما لمحمد الشهيد، في الانتفاضة الثالثة، اصبحت جدة لخمسة محمد ابو عكر، من ابنائها نضال ورأفت وحازم ونداء وهالة، كلهم اسموا "محمد" تيمنا بعمهم وخالهم. محمد نضال الذي تم اعتقاله ليلة امس، أحدهم. وهكذا تفاخر مالكة بمحمد العجيب الذي استطاع ان يكون همزة وصل بين الانتفاضتين في زمانين بديا انهما مختلفان. فهل يفهم الاحتلال الرسالة وكيف كان محمد عجيباً.

