لا يمرّ صباح أي يوم على المسجد الأقصى وباحاته دون عبور قسري مدجج بالسلاح، من قبل المتطرفين اليمينيين اليهود وجمعياتهم، يحرسهم رجال الأمن الإسرائيليين بحجة الزيارة، وتطور الأمر إلى اقتحام هؤلاء المسجد ذاته من الداخل بقوة السلاح،
واستباحوا قدسيته بحجة المحافظة على الأمن الإسرائيلي. وأعملوا فيه حرقا وتخريبا ومطاردة وقبضا. وشكل هذا الإقتحام اليومي سابقة لم تحصل خلال تاريخ الأقصى لأكثر من أربعة عشر قرنا. وهذا يدعونا إلى التساؤل كيف يحدث هذا الأمر الكريه، ولماذا الآن؟ ولماذا يشتد هذا التحريض على المسلمين وأقصاهم من أجهزة الأمن الإسرائيلية ومن أجهزة الإعلام الإسرائيلية ومن ما يسمى ببلدية القدس بل من الحكومة الإسرائيلية؟!
قبل هذا قام الإسرائيليون باحتلال المدرسة التنكزية وحائط البراق الإسلامي وما يحيط بالمسجد الأقصى من الجنوب والغرب واستولوا على مفاتيح باب المغاربة وعملوا حفريات في مدينة القدس العربية المحتلة وفي كل أنحائها، ولم تتوقف هذه الحفريات واكتشاف الآثار لخمسة عقود متواصلة وتحت مسميات مختلفة، وجميعها حتى التي جرت زمن الأردن وبريطانيا والدولة العثملنية، لم تسفر عن أية نتائج ملموسة لليهود ومقولاتهم، وبخاصة زعمهم أن الهيكل أنه كان يوما هنا وتحديدا تحت مكان المسجد الأقصى المبارك أو قبة الصخرة المشرفة. ولم يجد الباحثون والمنقبون سوى آثار رومانية وإسلامية من حقب مختلفة.
أمر عجيب وغريب، أين اختفى هيكلهم وكيف اختفى؟ وهل من المعقول أن هيكلا بهذه الضخامة يختفي كذرة من غبار؟ ومن يطلع على رسومات الهيكل المتخيلة من رسّاميهم يجده مبنى وأعمدة ضخمة وحجارة هائلة، فإذا كانت كذلك، فأين ذهبت، وأين استقرت، ولماذا لم تكتشف لحد الآن، وبخاصة أن القدس تحت السيطرة الإسرائيلية بالكامل؟ قد يحتج الإسرائيليون سابقا أن الآخرين يعيقون حفرياتهم، لكنهم ومنذ خمسة عقود سقطت حجتهم، ولم يعد لهم أي عذر في عدم العثور على دليل مادي ملموس على هذا الهيكل. بل اين معبدهم وأين صولجانهم وأين نذرهم وأين خاتمهم واين بوقهم؟ هل تبخرت أم أن الرواية مختلقة من اساسها، أو مبالغ بها، أو ماذا؟ هل أتبع هواجسا ام عقلا ورأيا علميا لا يفند؟ هل أسير وراء عاطفة جوفاء أم إثر دليل علمي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!
أثناء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الأمريكية في كامب ديفيد، استشاط غضبا دينيس روس اليهودي عضو الوفد الأمريكي عندما انكر صائب عريقات وجود الهيكل، وطلب حينها من الرئيس الأمريكي كلينتون أن يتناول من مكتبته أحد الكتب التي تؤيد مقولته. وذكر روس أن هناك عشرات أو مئات من الكتب التي تؤيد قوله أو زعمه واستشهد بالمسيحية وعهدها القديم. ولكنه لم يأت بدليل عيني مادي ملموس واحد أو أثر دارس.
فقهاء المسيحية قبلوا العهد القديم ورواياته إلى جانب العهد الجديد كأصل في المسيحية، ويبدو أنهم قبلوا معه بعده الزماني والمكاني مع أن واحدا مؤسسا مثل مارتن لوثر البروتستانتي الذي شق الكنيسة، تردد في هذا الأمر. من هنا كانت المفردات والألفاظ الغربية التي تتعامل مع هذا الموضوع انعكاسا لهذا القبول والفكر. .(..).
المقولة التاريخية والإسلامية حول المسجد الأقصى تختلف كليا عن الهيكل. فالمسجد قائم فعليا وبشكل مادي ملموس ومنظور. والمصلون والمتعبدون والمعتكفون والمرابطون فيه منذ أكثر من أربعة عشر قرنا موجودون فيه فسيولوجيا، وهناك متحف لما يتصل به ملحق به. حتى أثناء الزلازل أو الحرائق، لم يختف المسجد الأقصى بل بقي باق، وشواهده قوية وترى بالعيان ولا يستطيع أحد أن ينكر وجوده ولو كان من غير ملة المسلمين. في ظل هذا السياق وعقد المقارنات نسأل أين ما يسمى بالهيكل وهل هو خيال جامح؟!
يتساءل عقلي البشري الإنساني الذي يبحث في الظواهر البشرية عن هيكل مختف منذ آلاف السنين واختفت مكوناته معه، فأين اختفى وكيف اختفى؟ حتى لو سلمنا جدلا بوجوده وبتدمير القدس والسبي وهو كلام عاطفي، إذ لم يكن لتلك الأمم الغازية وقياداتها تلك القدرة على تدمير العمران والبنيان، وإن ملكت القدرة على القتل والجرح. في هذا العصر المتقدم علميا، يغوصون ويأتون بسفن غارقة من مئات السنين، ويقررون أن هناك ماء على كوكب المريخ وفي ذات الوقت لا يستطيعون أن يأتوا بدليل مادي ملموس على هيكلهم. أمر مستغرب بل مستهجن.
لماذا لا نناقش الوجه الآخر من العملة، ألا وهو انتفاء شيء اسمه هيكل من أساسه. وأن الموضوع كله من ألفه إلى يائه من نسج الخيال بقصد ديني وسياسي. ابتداء البناء لا يكون إلا في زمن الإستقرار وزمن الأمن والرخاء وهذا أمر افتقد له اليهود وفق روايتهم التوراتية وموروثهم الأدبي. وقد حل محلها سفك الدماء والإنقسام والقلاقل، فكيف يبني من كان يقاتل أخاه ويسفك دمه. لو تصورنا أية حياة بسيطة لأي إنسان عادي بل بدوي أعرابي، فهل يبني منزلا وهو غير مستقر وغير آمن على حياته ولا يعلم مستقبله. قطعاً الجواب بالنفي، فكيف قام اليهود ببناء هذا المبنى الضخم وهم يرتحلون وغير مستقرين ودماؤهم مسفوكة؟ أعطوني عقلاً من أي مكان، يقبل هذه المقولات غير المقبولة وغير المبررة.
هذا البناء الضخم في كتبهم الذي أسموه هيكلا، من بناه وجلب حجارته وأعمدته. لو كان هرما لفهمنا فالمصريون شعب كبير ويستطيعون إنجاز هذه المهمة. أما اليهود فعددهم قليل وما زالوا قليلي العدد وفق أحصائياتهم فقد كانوا قبائل، ولا يقبلون الغوييم للإنضمام إلى معتقدهم حتى يزيدوا عددا. يعني ببساطة أنهم كانوا قبل ثلاثة آلاف سنة، بضعة آلاف فرد، لأنهم الآن بضعة ملايين. فكيف لبضعة آلاف بل لعشرات الآلاف بناء هيكل بهذه الضخامة وفق رسوماتهم؟!
من الصعوبة بمكان مناقشة القضايا غير المادية التي لا ترى بالعين المجردة أو لا تخضع للحواس الخمس ، فهذه القضايا تخلق جدلا فكريا وسفسطة لا نهائية. أما الظواهر المادية فأمرها سهل وميسور وإثباتها يحتاج إلى دليل مادي محسوس، إلا في موضوع الهيكل. حينها يخرجون عليك برسومات وكتابات وصور تثبت هيكلهم وهي لا تثبت شيء لأنها من صنعهم ورسمهم ولذلك يقول القانونيون ان الشخص لا يستطيع أن يخلق دليلا لنفسه وغير مقبول ذلك الدليل. لست مناقشا أمورا غيبية، ولكن هيكلا وبناء وحجارة فأين هي؟!
حينما رافقت مجمع النقابات المهنية وفدها للتضامن مع العراق وشعبه ضد الغزو والحظر الأمريكي في نهاية القرن العشرين، وأبحرنا في البيداء رغم أننا كنا في حافلة مكيفة، تبيّن لي قسوة الصحراء ومعاشها وعبورها. عندها قلت في نفسي لو أن اليهود حقا تم سبيهم، وساروا في هذه الصحراء الموحشة على الأقدام، لقام حتماً كتابهم بتأليف القصص والروايات حول أرض اللبن والعسل وتضخيم كل أمر ومكان جلسوا فيه في فلسطين. ومن المعروف علماً بأن التوراة هي من تأليف كتّابهم.
لا أعلم في ظل عدم وجود دليل مادي ملموس كيف عرف اليهود ان مكان هيكلهم هو مكان الأقصى أو مكان قبة الصخرة. وهل لديهم حسابات حول هذا المكان ووجوده. ألا يعقل أن يكون إن وجد قد كان في باب الخليل، أو في دير الأرمن أو في الصلاحية أو في دير اللاتين أو في المقابر المتعددة على اختلافها. ألا يعقل أن هناك خطئاً بشرياً اقترف هنا أو هناك أم أن البشر لا يخطئون؟ ألا يعقل أن مساحة الهيكل المزعوم أقل بكثير من مساحته المتخيلة وهل يوجد من يملك الحقيقة المطلقة في هذا الصدد؟
أسرى ربّ العزّة برسوله إلى المسجد الأقصى بمعجزة من معجزاته، وبعدها بنى عبد الملك ابن مروان المسجد الأقصى كمبنى حجري مادي ملموس، لم تنقطع حيازة المسلمين له خلال أربعة عشر قرناً إلا خلال الغزوة الصليبية. وبعدها سرعان ما استعاد المسلمون هذه الحيازة ولم تزل. واللطيف أو الغريب أو العجيب أن اليهود عبر الأجيال لم يطالبوا بحق في الأقصى أو في الصخرة بل كانوا يصلون خارج السور وتحديداً عند ما يسمى بالباب الذهبي الذي أقفله العثمانيون خشية اقتحام الغزاة للقدس من خلاله. بل إن لجنة عصبة الأمم في حادثة البراق عام 1931 قررت صراحة دون مواربة أن الحائط الغربي هو ملك إسلامي خالص للمسلمين.
ما جرى بالحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل لا يقبل التكرار في المسجد الأقصى. فالقوة لوحدها لا تصنع أمرا مشروعا ولا حقا ولا مشاركة. فليس لليهود حق في الصلاة في الأقصى أو باحاته وصخرته أولا. والمسلمون يقيمون فيه الصلوات من أربعة عشر قرنا ثانيا ولم ينقطعوا عنه. وحظرالصلاة فيه كهنتهم الموثوقون ثالثا. والصلاة فيه قسرا وجبرا لليهود يؤدي إلى العنف وسفك الدماء رابعا. ولم يقم إثبات مادي أن هناك هيكلا لليهود خامسا. كما أن القوة المادية لا تخلق حقا مشروعا ولا سكينة سادساً.
إذا كان بالمذاق تعرف جودة الحلوى فلا يعرف صلاح الرأي أو النظرية إلا بالتجربة. فالهيكل هو مجرد حلم ولا يستند إلى حقيقة مادية ملموسة، ولم يقم الدليل العلمي على وجوده عبر التاريخ سوى كتب ورسومات وعقائد غيبية. ولكنهم لا يريدون أن يأخذوا الأشياء على واقعها وأن يقنعوا بما قسم لهم، وليس اشد عمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا..!!

