لأنّ المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، ولأن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، ولأنّ المسجد الأقصى ملاذ الصحابة والتابعين والعلماء، وحوى محيطه وأكنافه قبور عدد من أصحاب رسول (صلى الله عليه وسلم)، وزاره العديد من الصحابة الكرام،
ومنهم: أبو عبيدة بن الجراح، وصفية بنت حيي (زوج رسول الله)، ومعاذ بن جبل، وبلال بن رباح (مؤذن الرسول، الذي رفض الأذان بعد وفاة الرسول، فلم يؤذن إلا بعد فتح بيت المقدس)، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة، وغيرهم، ولأن بيت المقدس والمسجد الأقصى هما المكان الذي كلّم الله فيه موسى كليم الله، وتاب على داود وسليمان نبيي الله، وبَشّر الله فيه زكريا بيحيى (عليهما السلام)، وسخّر لداود (عليه السلام) الجبال والطير، وأوصى إبراهيم وإسحق أن يدفنا فيه، وفيه ولد عيسى (عليه السلام)، وفيه تكلّم في المهد، وأنزلت عليه المائدة، ورفع إلى السماء، وفيه أيضًا ماتت مريم، وإليه هاجر إبراهيم، وعلى مقربة منه دفن (في خليل الرحمن).
ولأنه في المسجد الأقصى التقى الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، حين صلى بهم إمامًا في رحلة الإسراء والمعراج، مبايعة منهم له بالخاتمية والعالمية وتوجيهًا إلى الباقين من أقوامهم أن يفقهوا معنى "إن الدين عند الله الإسلام". ولأن المسجد الأقصى وقف إسلامي بكل ساحاته ومصاطبه وقبابه وأسواره وكل ما تحته، وما فوقه، وليس لغير المسلمين حق فيه، فالمسجد الأقصى المبارك مسجد إسلامي بقرار رباني لا بقرار وضعي.
ولأن قضية بناء "الهيكل الثالث" المزعوم على حساب المسجد الأقصى محل إجماع في المؤسسة الإسرائيلية بشتى توجهاتها (يسار ووسط ويمين متطرف)، وهي دائبة على هذا المشروع تدريجًا، وكل ما حدث حتى الآن من مشاريع وما زال يحدث هو عبارة عن مؤامرات لضرب المسجد الأقصى، لتصل إلى الهدف الذي لخصه بن غوريون في مقولة له: "لا قيمة لـ(إسرائيل) دون القدس، ولا قيمة للقدس دون الهيكل".
ولأن المسجد الأقصى الآن يمّر بأخطر مرحلة على مرّ التاريخ.
من أجل ذلك كله؛ أستحلفكم بالله، أفرادًا وجماعات، ودولاً وحكومات، وأخاطب كل ذرة بقيت حيّة من ضمائر تعيش داخلكم:
أما آن الأوان لأن نقوم بمسؤولياتنا لحماية المسجد الأقصى من التهديد والتهويد بكل الوسائل؟!، ألم يحن الوقت لنقف وقفة حقيقية وجادة وصادقة أمام هذه الهجمات الصهيونية المتواصلة عليه التي لا تكلّ ولا تملّ؟!، ألا يدفعنا ما يجري من أحداث لأن نهب جميعًا فننتفض في وجه الصهاينة المحتلين، وننتفض في وجه بني جلدتنا، الذين يضعون المعيقات أمامنا ويمنعوننا من أن ننصر أقصانا، لأن انتفاضتنا هذه تشكل خطرًا على بقائهم في مراكز السلطة التي ما تسلموها إلا لينفذوا أجندات بعينها، ولست أنا من يقول هذا الكلام، إنما قاله ضباط أمريكيون، أحدهم الجنرال دايتون الذي صرّح عند تسلمه مهام تدريب القوات الفلسطينية أنه ما قدم هنا إلا لصناعة الفلسطيني الجديد، الفلسطيني الذي ليس المسجد الأقصى همّه الأكبر، ولا تتربع الأرض المحتلة في بداية سلم أولوياته، فلسطيني يعيش على المرتب الشهري، فلسطيني مستعد للتضحية بكل شيء نبيل ليحافظ على وظيفته التي تجلب له المرتب الشهري.
أقصانا الآن بأشد الحاجة لمن ينصره، ولنصرة الأقصى صور مختلفة ومتعددة، فلماذا لا تنسحب السلطة الفلسطينية من جميع أشكال المفاوضات والعلاقات، وتقطع جميع أشكال التنسيق الأمني مع الكيان المحتل؟!، لماذا لا تلغي الحكومات العربية جميع الاتفاقات مع الكيان الصهيوني، أو _على أقل تقدير_ تهدد بإلغائها؟!، لماذا لا يقاطع جميع العرب والمسلمين الشركات الإسرائيلية ويوقفون جميع معاملاتهم التجارية معها؟!، ولماذا لا تقرّ منظمة المؤتمر الإسلامي تنظيم مسيرات مليونية لجميع مسلمي العالم يضغطون بها على حكوماتهم لوقف جميع أشكال المعاملات مع الكيان الصهيوني؟، لماذا لا تنشأ صناديق عربية وإسلامية وفلسطينية لدعم صمود أهلنا في القدس؟، لماذا لا تصبح قضية الأقصى وما يحصل له من تهديد وتهويد هي القضية رقم واحد في الإعلام العربي والإسلامي، وليست مجرد قضية تتناول على الهامش أو عندما تتفجر الأحداث أو نصل إلى نقطة لا رجعة فيها، لا سمح الله؟
لا تنسوا أن الأقصى أمانة في أعناقنا جميعًا، وسيسألنا الله ماذا فعلنا لحمايته من دنس بني صهيون؟، وهل قدمنا شيئًا لنصرته؟، راجعوا أنفسكم، ولينظر كل منا ماذا يستطيع أن يقدّم له.

