Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

بيسان.. وزهر البيلسان‏.. حنان باكير

بيسان.. وزهر البيلسان‏.. حنان باكير

  نكبة أيار بالنسبة لي، نكبة مركبة وثلاثية الأبعاد. فمن نكبة الرحيل القسري، إلى خسارة أبي ثم أمي في شهر أيار ايضاً. رحيلهما، ليس خسارة عاطفية فقط، بل هي انقطاع حبل السرّة بيني وبين الوطن.. يوم مات أبي، رأيته حجراً من سور عكا العظيم ينهار. ويوم موت أمي، ذبل بيلسان مدينة بيسان، وارتحلت طيور السنونو وأضحت خراباً.

 

بعيداً عن ذاكرة النكبة الحزينة.. ولأن الحديث عن أحبائي الراحلين، أغلفه بفرح وجودهم، لإحساسي بأني أستحضر أرواحهم بذكر حكاياهم. حدثتني أمي، كيف غادر والدها، الذي هو جدي الطيب والحنون، مدينته عكا، ليقيم في بيسان.. تجنباً لمشاكل الإرث بين الأخوة، بعد وفاة الأب. اشترى أرضاً، وبنى بيتاً وعمل مراقباً في محطة القطار الذي كان الشريان الذي يصل المدن الفلسطينية ببعضها، ويربط فلسطين بلبنان، ولم يبق منه إلا آثار تشهد على تواجده، ذات زمان وذات مكان.

حكايا الذاكرة التي سمعتها من أمي، كان مسرحها مدينة بيسان. كيف تملأ أسراب السنونو، سماء المدينة وفضاءها، فتحجب نور الشمس. مدرستها ذات القرميد الأحمر، كانت تعشش فيها حية ضخمة، يسمعون فحيحها أيام الصيف، لكنها لم تثر رعب الطالبات. والبومة التي تستريح في أعلى الشجرة الكبيرة في ملعب المدرسة، ترقب الطالبات بصمت وحكمة. أشجار البيلسان، كانت معلماً "بيسانيا"، بلا منازع.

حدثتني أمي وجدتي، التي هي أمها.. عن بساطة الناس في ذلك الزمن، وعن حثهن الأبناء للتعلم. فقد ذهبت أمي وخالتي التي تصغرها بقليل إلى المدرسة الأميرية الإنجليزية. وكانتا متفوقتين وتحصدان الجوائز المتعددة، في الشطارة والنظافة والترتيب.

ذات يوم، جاءت أمي مسرعة، تلوح بشهادتها فرحة وتزف لأمها خبر حصولها على المرتبة الأولى في الصف. سألتها جدتي: شو يعني "الأولى"؟ أجابتها يعني أنا رقم واحد، ورفعت سبابتها للتوضيح.. صاحت بها جدتي: وكمان مبسوطة بحالك!! طيب، وعائشة بنت الجيران، قديش درجتها؟ أجابتها أمي: الثالثة عشرة.. صاحت بها جدتي: يا صباح الهنا.. البنت اللي أمها وأبوها أميين بتجيب 13 وانت أبوك اللي بيقرأ وبيكتب، بتجيبي بس واحد!!! أحبطت الجدة كل محاولات ابنتها، لإفهامها أن الدرجة الأولى هي الأفضل! وكان قصاصها، الحبس في الحمام.. ريثما يأتي الأب، ويسمع بالطامة الكبرى، التي نزلت على الأم كالصاعقة! كانت جدتي، وداد، وهذا اسمها، لا تعرف إلا بالشهباء.. فقد كان لديها فرس أصيل، تتنقل به بين المدن الفلسطينية، فهي فارسة معروفة في عكا وبيسان وصفد.

ما إن سمعت وداد، هدير سيارة زوجها حتى سارعت إليه تزف له خبر فشل ابنته التي كانت الأثيرة عنده، واتهمته "بإفسادها" بتدليعها. انفجر ضاحكاً.. وأخذته بضع دقائق ليتمالك نفسه، ويبدأ بعملية إقناعها بأن الدرجة الأولى أفضل من الثالثة عشرة! أطلق سراح ابنته المحبوسة بالحمام، عبثاً حاول الاثنان إقناعها بالأمر.. لكنها ختمت النقاش وحسمته: صحيح أنا شبه أمية، لكني أعرف تماماً أن الرقم 13 أكبر من الرقم 1.

حصلت خالتي، على جائزة كبيرة في نهاية العام الدراسي. عادت فرحة إلى البيت ومتشوقة لمعرفة نوع الجائزة.. التي كانت صورة كبيرة، لـ ونستون تشرشل، وموقعة بخط يده، داخل إطار ذهبي ثمين!! لكن الأم صاحت: لن نعلق في البيت، صورة رجل لا نعرفه!