Menu
فلسطين - غزة °27 °18
تردد القناة 10873 v

الاقتصاد القائم على المعرفة هو المستقبل

الاقتصاد القائم على المعرفة هو المستقبل

  اعتمد الاقتصاد القديم على ثلاثة عوامل أبرزها، رؤوس الأموال، الطاقة البشريّة، والأرض، واعتمدت دول الخليج في السنوات الماضية على حرف تقليديّة مثل الصيد والتجارة، ومنذ ظهور البترول ظلّ مصدرًا وحيدًا للدخل أو اعتمدت عليه بشكل كبير،

فأصبحت عوائد الدول الخليجيّة تأتي من موارد البترول ومشتقّاته، وظلّ اقتصادها اقتصادًا ريعيًا (اقتصاد الندرة)، حتى السنوات الأخيرة، حيث قامت الدول الخليجيّة بالتركيز على موارد أخرى لتنويع مصادر الدخل والاقتصاد، وعدم الاعتماد الكلّي على مصدر البترول الذي سوف ينضب خلال الخمسين سنة المقبلة أو أقلّ. وإذ إن الدول الخليجيّة انتبهت لمخاطر الاعتماد على مصدر وحيد لا يمكن أن يُعاد تصنيعه أو أن يكون مصدرًا مستدامًا، فقد عكفت ثلاث دول خليجيّة على التركيز على الاستثمار البشريّ والمعلوماتيّ، حيث اتخذت كلّ من قطر، السعودية، والإمارات، الخطوات اللازمة للركوب في مصاف الفرع الجديد للاقتصاد، وهو الاقتصاد القائم على المعرفة "الاقتصاد المعرفيّ" Knowledge-based economy، وهو (اقتصاد الوفرة).

يمكن تعريف الاقتصاد المعرفيّ على أنه الاقتصاد المُنتج للمعرفة والذي يعتمد على العقول، البنية التحتيّة المرتكزة على تكنولوجيا المعلومات، والمعلومات، أو كما عرّفه البنك الدوليّ:"الاقتصاد الذي يحقّق استخدامًا فعالاً للمعرفة من أجل تحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة"، ويرتكز الاقتصاد المعرفيّ على ركائز أساسيّة، وهي: "التعليم، الابتكار، بنية قويّة في مجال الاتصال والمعلومات، والحوافز الاقتصاديّة". لكن لنتساءل، على سبيل المثال، ما هو سبب تدنّي وانخفاض معدل الإنفاق على البحث العلميّ في الدّول العربيّة، حيث لا يتعدّى 0.3 % من إجمالي الدخل القوميّ (GDP)، ولابدّ من الذكر أن دولة قطر هي الأولى عربياً في الإنفاق على البحث العلميّ، فهي تنفق 2.8% بحسب آخر الإحصائيّات، بينما تنفق الولايات المتحدة 2.7%، أما أعلى دولة إنفاقًا على البحث العلميّ على مستوى العالم، "إسرائيل" فهي تنفق ما يقارب 4.7 % من إجمالي الدخل.

المُشكلة في انعدام وجود اقتصاد معرفيّ وانخفاض مستواه في دول أخرى، تكمن بدءًا من التعليم الأساسيّ، أيّ أنّ التعليم لا يخلق جيلاً يستطيع أن يبتكر، يحلّل، ويحلّ المُشكلات، وبالتالي فهذا الأمر يلحقه إلى الجامعة، وقد يعيقه عن استكمال دراسته العليا المرتكزة على البحث العلميّ، ومن هنا لا يضيف المُتخرّج من الجامعة (المرحلة الأولى) سوى قوة عاملة، إن لم يتسلّح بأساسيات الاقتصاد المعرفيّ، وبالتالي فلدينا مُخرجات تعليم قادرة على العمل، لكن لا نعلم إن كانت قادرة على الابتكار مثلاً. هذه المشكلة تخصّ دول الخليج على وجه الخصوص، حيث إنّ البعض يرى أن التحاقه بالقطاع العام والمميّزات المالية التي يتقاضاها تغني عن سنوات من البحث والدراسة والابتكار، أو أن هنالك قطاعات لا تشجّع موظفيها على إكمال دراستهم واستمراريّة تطويرهم في مجال البحوث والابتكار. نحن أصبحنا كمن يملك المال لشراء أجهزة الحاسوب، ولكنه لا يملك العقل لبناء وصناعة الحاسوب من الصفر، ولذا هنالك فجوة ما بين الاقتصاد التقليديّ والاقتصاد المعرفيّ، بالرغم من محاولات الحكومات الحثيثة لإنتاج أفراد لديهم القدرة على مواكبة الاقتصاد المعرفيّ، إلا أننا مازلنا في بداية الطريق.

هنالك تحدّيات تعيق وصول الدّول الخليجيّة إلى الاقتصاد المعرفيّ، أهمّ تلك التحدّيات غياب إستراتيجيّة فعّالة ومدروسة للوصول إلى أهداف الاقتصاد المعرفيّ، فهنالك إنفاق منخفض من بعض الدّول الخليجيّة على البحث، وهنالك استهلاك عالٍ للتكنولوجيا، بينما يقابله انعدام في إنتاج التكنولوجيا نفسها، نقص الاستثمارات في البنية التحتيّة التكنولوجيّة، بالإضافة إلى وجود ثقافة مُجتمعيّة لدى البعض، تغني الأفراد عن التطوير والرفع بالكفاءات بسبب وجود بدائل وظيفيّة وضمانات مالية أخرى.

إن الاعتماد على الكيف وليس الكمّ في مخرجات التعليم، والارتقاء بمستوى الأفراد بدءًا من المرحلة الدراسية الأولى، لن يزيد إنتاجية الأفراد فقط، بل سوف يقلّل من ظواهر اقتصاديّة واجتماعيّة عدّة، أبرزها إهدار الأموال العامة، والفساد والمحسوبيّة التي أثرت بالسلب على وجود أفراد بلا مؤهلات، أو مؤهلات دون المستوى في وظائف ومناصب تستلزم مستوى معينًا من التأهيل، هذا الأمر الذي يستهين به البعض يؤثر بالسلب على سوق العمل، وجودة الخدمات، وإنتاجية المؤسّسات وبالتالي ضعف في أحد جوانب الاقتصاد في الدولة. لذا الاستثمار في البشر والتركيز على الاقتصاد القائم على المعرفة هو أفضل استثمار اقتصاديّ من الممكن أن تنتهجه الدول، فاليوم البقاء ليس للأقوى، بل للأكثر ذكاءً وعلمًا!.

 

ريم الحرمى

صحيفة «الراية» القطرية