Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

من لغزة؟!.. مصطفى إبراهيم

من لغزة؟!.. مصطفى إبراهيم

  في غزة يوم عن يوم تكبر الهموم والمآسي والمطالبات، وتتسع الهوة ودائرة الحقد والكراهية، ومع وتيرة التصريحات النارية والإتهامات يزداد بؤس الحال والصراع على سلطة بائسة.

 

غزة تموج بتحركات وإحتجاجات تجعلها تفقد بوصلتها وصوابها، ولا أحد يعلم  مستقبلها وما سيجري بعد ساعة من الآن، لا أمل قريب في فتح معبر رفح وحاجة الناس للسفر والعلاج والعمل وإعادة الإعمار المتوقف، والحاجة الماسة لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة ولقمة العيش لعشرات وربما مئات الآلاف من الناس الذين فقدوا منازلهم، وحماية أنفسهم وأبنائهم من البرد والتفقير والتجويع.

من يعيش في غزة يعتقد كل لحظة أنها تعيش وأهلها أيامها الأخيرة، ومدى حاجاتهم كي يشعروا أنهم بشر ومن حقهم التمتع بحياة كريمة، ثماني سنوات والناس تنتظر يوم الخلاص برفع الظلم والحصار ومنع حدوث مزيد من الكوارث والمآسي وانضمام مزيد من الفقراء إلى طوابير الإنتظار في النفق وبروز ضوء الشمس.

منذ سنوات وغزة تنتظر الخروج من عتمة و ديكتاتورية وإستبداد النفق كي تنعم بالنور والأمن والإستقرار والبحث عن مستقبل مشرق، أهل غزة وثقوا بأصحاب الوعود البراقة والشعارات الجميلة التي لم تدوم طويلاً وإكتشفوا قبحها وزيف تحقيقها.

غزة لم تبخل على من وعدوها بالمن والسلوى وأن الجنة أقرب إليهم من حبل الوريد، وصبروا وما زالوا إلى أن الصبر صبر على صبرهم، وعندما حان وقت القطاف وإنهاء الإنقسام بناء على إبتسامات وضحكات أصحاب الوعود الجديدة لم يكونوا على يقين أن ضحكاتهم صادقة وأياديهم المشرعة عالية ستقويهم وستخرجهم من مآسيهم، وسرعان ما إكتشفوا بحسهم أن كل ذلك هو محاولات من أصحاب الوعود للخروج من النفق.

غزة تنكأ جروحها من جديد و تدهور حال الناس بشكل أسوأ والهاجس يرافقهم بواقع قد يزداد تعقيداً في كل لحظة، والخلاف لم يعد خلاف إنما قد يصل إلى صراع طاحن، فالصراع الكامن تحت عناوين مختلفة، من الإقصاء والتفرد والإستبداد، وهو بالأساس صراع سياسي سلطوي، وإنتقل القتال من جديد على الأرض وعلى لقمة العيش كما يقال ونشاهد أيضاً.

مؤشرات القتال بدأت منذ سنوات من الإهمال والتهميش وخلق مراكز قانونية ومعنوية، وإستكملت بتوظيف وبتسكين موظفين ورواتبهم وعدم تسلمها، وبمنع موظفين لموظفين آخرين من تقاضي رواتبهم ولاحقاً بتفجير البنوك، والناس يتوقعون الأخطر فالصراع الداخلي الجديد القديم إنتقل إلى لقمة العيش ومعاناة عائلات وأطفال وتجويعهم، كما ترجم بتفجيرات أخرى منظمة وإستدعاء لمجموعات متطرفة بأنها هي من قامت بها، أو للقول أن هذا هو القادم الأسوأ.

غزة تنتظر من حكومة الوفاق الحل والحكومة لم تُمكن من القيام بواجباتها، فهي لا تملك من نفسها سوى إصدار البيانات والتصريحات المتناقضة والمرتبكة، وتفاقم المعاناة، والشكوى منها كبيرة وتوجه لها الإتهامات بأنها تمارس الظلم والتهميش ضد الناس، وأصبحت مهمة الحكومة الشكوى بدلاً من حل الشكاوى وإيجاد الحلول.

وحتى اللحظة الكل يتحدث عن حلول والحقيقة أن لا حلول ومن دون تقديم افكار خلاقة تخرجنا من الانكشاف الذي عرانا جميعا، فالحديث المزعوم هو مجرد مكلمة و إضاعة للوقت، واستمرار في تدمير الذات، والاخبار المتداولة متناثرة ومن دون مصداقية، وما يتم الحديث عنه لن يمنع غزة من الإنفجار، وبات الغزيين يدركون أن الإنقسام الفلسطيني مؤبد وأن حل مشكلاتهم حلم بعيد المنال.

من لغزة؟ لإخراجها من هذا الواقع والناس لا يستحقون أن تصل حياتهم الى هذه الدرجة من التعقيد والسوء، والخوف قائم من تكرار سيناريوهات جربوها وهي مرة بطعم العلقم، ويدفعون ثمنها يومياً، وفي ظل ما نسمعه وما نراه لا تكون مكافئتهم على صمودهم وصبرهم أن يظلوا يفكرون بالأسوأ.

 

* باحث وكاتب فلسطيني مقيم في غزة