رحم الله أبا منيف، عبد الله الحوراني، فقد كان هو صاحب فكرة استحداث وسام القدس للثقافة والفنون والآداب، وقد ألحق الفكرة بالتنفيذ، فاتصل بالمرحوم الكاتب الكبير سعد الدين وهبة الذي نقل الفكرة من مشروع افتراضي إلى حقيقة واقعة، وهكذا شهدت القاهرة مهرجاناً فلسطينياً فريداً برعاية الرئيس ياسر عرفات وحضوره،
ودعي إليه عشرات المبدعين الفلسطينيين لتكريمهم إلى جانب تكريم كوكبة واسعة من الراحلين الكبار، مبدعين ومؤرخين وجغرافيين وشخصيات عامة، وكان الشاعر الكبير أدونيس ورفيقة عمره خالدة، بين المدعوين إلى ذلك الملتقى الثقافي التاريخي وكذلك الراحلان الخالدان إميل حبيبي وتوفيق زياد وقد جاءا من فلسطين إلى القاهرة خصيصاً لتلك المناسبة. إلا أن المفاجأة التي كانت تتربص بي، هي تكليفي من قبل المرحوم عبد الله الحوراني الذي كان رئيس دائرة الثقافة الفلسطينية يومها، بدور عريف الحفل الذي عليه أن يقوم بتقديم المبدعين المكرمين أو من يمثلهم إلى المنصة، ليتسلم كل منهم وسام القدس للثقافة والفنون والآداب، وهو وسام في غاية الأناقة والجمال، من تصميم زميلنا المبدع جمال الأفغاني، وإلى جانب الوسام، كان ثمة براءة أنيقة تحمل اسم المكرّم مرفقاً بتوقيع الأخ أبي عمار بوصفه رئيس دولة فلسطين، وتوقيع شاعرنا الكبير محمود درويش بوصفه رئيس المجلس الأعلى للثقافة، وبطبيعة الحال كان لا بد من توقيع الأخ عبد الله الحوراني بوصفه رئيس الدائرة الثقافية وصاحب فكرة الوسام.
وعلى غير استعداد أو تحضير مني، فاجأني أبو منيف رحمه الله بالقول: هذا يومك فاصعد إلى المنبر لتقديم المكرمين، وهكذا وتحت الأمر الواقع، صعدت ويدي على قلبي، وكلما كنت أذكر اسم واحد من هؤلاء المبدعين، كنت أشكر الله في قلبي وأتهيأ للاسم اللاحق، حتى بلغ عدد الذين نالوا الوسام يومها خمسة وتسعين من رموز الثقافة الفلسطينية العربية.
وبسبب من نجاح التجربة، فقد أعدناها بعد ذلك في العاصمة الأردنية، ثم تم بعد ذلك تقديم الوسام بصورة فردية لمن لم نحط باسمه في القاهرة وعمان.. وأعتقد بأن فكرة الوسام لا تزال صالحة للمواسم الآتية فهل من يسعى إلى إحيائها؟
قوة الرمز
إن جسم الوسام بحد ذاته، مكوّن من قطعة معدنية ذهبية اللون تنبثق عنها نسختان من العلم الفلسطيني ولم يكن يخطر ببالي أن تلك القطعة المتواضعة، ستتحول إلى رمز ذي دلالة عميقة، حتى أن بعض المثقفين الفلسطينيين الوازنين، لم يتحرجوا في أن يطلبوا بأنفسهم نسخاً من ذلك الوسام.
ولأن الذكرى تجر الذكرى، فلا بأس في أن نستحضر صورة مبدعنا الكبير الخالد إميل حبيبي، عندما دخل "تل أبيب" والوسام البراق مركوز في صدره، حتى إذا سأله العسكري الصهيوني عما ترمز اليه تلك القطعة الذهبية أجابه بنوع من الزهو السعيد: هذا شرفي وتاجي وحصيلة جهادي الثقافي، وقيل لي أيضاً إن المرحومة الشاعرة الكبير فدوى طوقان قد دخلت إلى البلاد والوسام على صدرها، وظلت تحتفظ به حتى تغمدها الله في رحمته..
وغني عن القول إن أعلام فلسطين، من عيار فدوى وإميل لم يكونوا جامعي قطع معدنية براقة، بل كانوا يقدرون المعنى الرمزي للشعار الذي كان يزين صدورهم، بل إن أستاذنا الكبير جبرا إبراهيم جبرا، أعلن حين تمنينا عليه أن يلقي كلمة حاملي الوسام، بأن هذا الوسام الذي يحلي صدورنا، كان قد حلّى أرواحنا منذ أن منحنا إياه قائد الشعب ورئيسه ياسر عرفات.
بعد كلمة جبرا، أتتنا شخصيات فلسطينية مرموقة، وطلبت أن تحظى بالوسام الذي أصبح علامة ثقافية وطنية، ما حملنا على استدراك ما فاتنا ومنح الوسام لمبدعين ممن لم نتمكن من تعليقه على صدورهم في الجولتين الأولى والثانية.
والطريف أن الأخ أبا عمار، قد أدرك المغزى العميق للوسام حتى أنه فاجأنا بنوع من اللوم الحاد، على عدم تقديمنا وسام القدس للثقافة والفنون والآداب، لبعض معلمينا الكبار، ولم يكن في ذلك أي استثناء، لكن الزحام والانفعال والجلبة تجمعن كلها فتسببت ببعض السهو غير المقصود، والحمد لله أنه تم استدراك التقصير غير المتعمد حتى أنني حملت نفسي من غزة إلى الناصرة لأشرف بتقديم الوسام لشاعرنا وأستاذنا أبي الأمين، حنا أبي حنا.
ولنذكر معاً أن الاعلان عن هذا الوسام، قد تم عام 1990 ولا يزال الفلسطينيون يعلنون عنه لكل مناسبة.
الوسام والمؤسسة
قد يأخذ علينا بعض الشهود من الأصدقاء، عدم استمرارنا في هذا التقليد الجميل، مع أننا كشعب مهضوم الحقوق، معنيون بالإشارات الرمزية التي من شأنها، على بساطتها، أن تنشئ فرحاً وطنياً ونوعاً من الألفة المشوبة بنشوة الوفاء، وإذا كان للأصدقاء العاتبين حق في لومهم فمن حقهم علينا أن يعرفوا أننا أقصد المرحوم عبد الله الحوراني وكاتب هذه السطور- لم نكن أصحاب الوسام، بل هي المؤسسة التي ما عدنا نمثلها رسمياً بعد التقاعد، أما عمن جاء بعدنا فإن الهموم والمشاغل المتعددة تشغل كل مسؤول بأشكال مختلفة من المبادرات إلا أن الحاجة المعنوية تظل تستدعي هذا النوع من التقليد الذي يقول للمبدعين: إنكم في البال دائماً، وإن القدس هي الأقنوم الأقدس في تاريخنا بحيث يجب ابتكار مختلف التقاليد حتى تظل عنواناً لنا ورمزاً.
الوسام، الجائزة، البراءة.. ليست الأسماء هي المهمة، بل أن نفرح بالكينونة الوطنية حسب مختلف مفردات الفرح، ولأمر ما فإنه يحضرني قول محمود درويش يوم نجحنا في عقد مؤتمر كانت بعض القوى العربية تحظره علينا، وبناءً على ذلك النجاح الإرادي السيادي هتف يومها: شكراً لنا، وأحسب أن فلسطين بكاملها قد ردت عليه يومها بشكر مماثل فضمير الجمع المتكلم الذي استخدمه الشاعر الخالد، كان منطلقاً من وإلى فلسطين، ولما كانت كلمته تلك في المجلس الوطني، فقد كان ضمير الجمع المتكلم يلف على فلسطين من البحر إلى النهر بحيث تستحق الشكر لأنها فلسطين وطننا الذي لا وطن لنا سواه، وعلى هذا فلمحمود رحمه الله، حق أن يشكر الوطن نفسه لأن هذه النفس الجامعة قد أنجبته وجعلت من اسم محمود درويش رمزاً لمؤسسة الفرح الجمالي بطبعيته الفلسطينية العربية والإنسانية.
وإذا كان الوسام، في بداية نشأته قد ظهر ممهوراً بتوقيع هذا الشاعر الفريد، فهل كثير أن يحمل الوسام اسمه وصورته ليصبح في حوزة الثقافة الفلسطينية، وسام القدس للثقافة والفنون والآداب بصمة محمود درويش؟ إنه ليس بيننا الآن حتى أجامله أو أداجيه، ولكنها محاولة وفاء للحقيقة، بمعنى وضع الصحيح في مكانه.
أما المؤسسة التي تنهض بهذه المهمة، فلا أقل من أنها منظمة التحرير الفلسطينية ممثلنا الشرعي الوحيد حتى دهر الداهرين، وكانت ولا تزال دائرة الثقافة هي نافذتها الإبداعية الجمالية المطلة على العالم.. فلمن سيكون في عامنا القادم وسام القدس للثقافة والفنون والآداب، إن المستحقين ممن يعملون في الأدب والفن والتاريخ والبحث والجغرافيا كثيرون، فهل نستأنف عيد الفرح الثقافي هذا؟ وماذا ننتظر؟

