تفاصيل كل يوم جديد للمقدسيين أضحت معروفة، ليس لأنهم يعلمون بالغيب، أو يعملون في التنجيم أو "فتح" الفنجان، بل لمعرفتهم بطبيعة وحقيقة عدوهم ونواياه وما يخططه لهم وما يقوم به بحقهم من إجراءات وممارسات قمعية وإذلالية تلتقي جميعها في هدف واحد، هو طردهم وترحليهم عن المدينة "التطهير العرقي"،
فيوم الجمعة المشهد للمقدسيين معروف منذ ساعات الفجر الأولى حصار وحواجز وقيود مشددة تمنع المصلين من الوصول إلى الأقصى من أجل الصلاة، وقوات شرطية كبيرة تحاصر مداخل معظم القرى والبلدات المقدسية، الهدف منها ليس الذريعة والأسطوانة المشروخة الحفاظ على "الأمن"، بل منها من تم جلبه لتحرير المخالفات بحق السائقين المقدسيين، سواء كان وضع المركبة المنوي مخالفتها سليماً أو غير سليم فالمخالفة لمركبة العربي، لها هدف هو الإذلال والتركيع، وجزء آخر من القوات مخصص لمداهمة المحلات التجارية العربية لنفس الغاية والهدف، وقوات أخرى لتحصيل ضريبة المسقفات "الأرنونا" أو تحصيل ديون لمؤسسة التأمين، أو لفرض مخالفات على ما يسمى بالبناء غير المرخص وتوزيع إخطارات بالهدم، وليس هذا فقط فهناك مناطيد مجهزة بالكاميرات فوق كل بلدة مقدسية في الجو وطائرات عمودية تحلق لمراقبة المقدسيين في كل شاردة وواردة.. ورغم كل هذه الحشود العسكرية والشرطية يخرج المقدسيون من أجل الوصول إلى أقرب نقطة من أجل الصلاة بعد منعهم من الوصول إلى الأقصى، وهناك تجري المواجهات والإشتباكات مع شرطة الإحتلال وقواته الخاصة ومستعربية.
حرب مفتوحة على السيادة في المدينة، حرب يجند فيها الإحتلال كل أجهزته ومؤسساته ومستوياته رسمية وشعبية، من أجل أن يحسم أمر سيادته على المدينة، وفي سياق رد الإحتلال على ما تقوم به قواته وأجهزة مخابراته بحق المقدسيين من قمع وتنكيل، بلغ ذروته في التصفية الجسدية والميدانية لكل مقدسي يفقد السيطرة على مركبته أو يرتكب حادث سير مع مركبة إسرائيلية، فعندما يدهس مستوطنوهم أي فلسطيني طفلاً شيخاً او إمراة فهذا حادث سير غير متعمد، أما الفلسطيني فالتهمة جاهزة عملية "إرهابية" هكذا جرت تصفية محمد نايف جعابيص وعبد الكريم الشلودي ومن قبلهم أبو طير وردايده والمغربي وعويسات وغيرهم.
ولم يكتف الإحتلال بشن الحرب الشاملة على المقدسيين، بل وتقوم المستويات السياسية و"الأمنية" بالتحريض عليهم بأن هناك انتفاضة صامتة في القدس، وبأنه يجب قمع المقدسيين بشكل أكثر عنفاً، فمن غير المعقول أن لا يتجول الإسرائيليون على حد قولهم وزعمهم وتحريضهم في "عاصمة" "دولة إسرائيل" في ظل الخوف وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، تصريحات يقودها رئيس الوزراء وقائد الشرطة ووزير "الأمن الداخلي" ورئيس البلدية والحاخامات ورؤوساء الجمعيات الإستيطانية.
وصورة أخرى من المشهد مداهمات وإقتحامات ليلية واعتقالات بحق عشرات الأطفال والشبان، يصاحبها ترويع وتخويف وتنكيل وخلع وتكسير، وأهالي ينتظرون على أبواب معتقلات الإحتلال ومحاكمه لمعرفة مصير أبنائهم المعتقلين، وطبعاً المشهد هنا لا يخلو من التنكيل بأهلي المعتقلين، ومنعهم من الإقتراب من أبنائهم المكبلين بالأصفاد والقيود وحتى رؤيتهم والتسليم عليهم، وينتقل المشهد لصورة أخرى وجبهة أخرى عدا المواجهات المستمرة على كل المحاور بين قوات الإحتلال والشبان المقدسيين المنتفضين، والقائلين للعدو بأنه رغم كل قمعكم وبطشكم وهمجيتكم، فنحن هنا باقون وعلى صدوركم وفي قدسنا كالصبار وشجر التين والزيتون، مشهد فيه الكثير من العنفوان والعزة، يقول لكل العرب والمسلمين: رغم تخاذلكم وغدركم وتآمركم علينا، فنحن نعرف كيف ندافع ونحمي قدسنا ومقدساتنا وفي المقدمة منها أقصانا.
ومن هذه الصورة التي تحمل كل معاني العزة والكرامة والعنفوان، فهناك صورة مؤلمة ومحزنة لهذا المشهد المقدسي، حيث هناك نفر ليس بالكبير ممن تجردوا من معاني وقيم الإنتماء والأخلاق والإنسانية، بدلاً من أن يكونوا عوناً وسنداً لأبناء شعبهم، وجدنا أنهم يعملون لصالح العدو وجمعياته الإستيطانية، وجزء منهم يتلفع ويتغطى ويتستر بالدين، حيث عملوا على تسريب العقارات المقدسية، وبالذات في بلدة سلوان إلى المستوطنين وجمعياتهم الإستيطانية، يشجعهم في ذلك غياب الإرادة السياسة والوطنية والمواقف الأسرية والعائلية والعشائرية الحاسمة والرادعة لمثل هذه الطحالب والأدران السامة.
وكذلك يستمر المشهد المحزن والمبكي والمؤلم، حيث نرى بأن هناك من يسهمون في تفكيك وتدمير النسيج المجتمعي، الذي عمل الإحتلال على إختراقه وهتكه وتدميره، حيث قضايا المشاكل الإجتماعية "الطوش" والإحتراب العشائري والقبلي تتزايد بوتائر كبيرة، وجرائم القتل أصبحت متكررة بشكل شهري، وعلى أتفه الأسباب، دون أن تجد حلولاً ومواقف رادعة، توقف مثل هذا العبث والجنون المدمر، وكأننا أصبحنا شركاء مع الإحتلال في تدمير ذاتنا، فكل يوم تتصدر صحفنا اليومية أخبار عن عطوات وصلحات وجاهات وصكوك عشائرية على خلفية هذا الإحتراب العشائري المدمر، الذي يزهق أرواحاً بلا مبرر، ويدمر ويحرق بيوتاً وممتلكات، ويرحل ويفكك أسر وعائلات، ويخلق عداوات وثارات مستديمة، ويكلف ويحمل الناس مبالغ وديون كثيرة، ولا تخرج حلولنا عن الديباجة والإسطوانة المملة والمشروخة، صلح وكرم عربي أصيل، فهل هذا التسامح والكرم العربي الأصيل المشكوك في وجوده غير ممكن تحقيقه بدون القتل والإحتراب العشائري والقبلي؟ أم أنه لا يتحقق إلا كما يقول المثل والمأثور الشعبي "إلا بعد خراب مالطا"؟ فلنبقي مالطا سليمة ومعافاة ولا نريد بيانات الصلح والتسامح التي تأتي على خلفيات القتل والتدمير والتخريب والتعدي على حقوق الناس وممتلكاتهم وكراماتهم وأعراضهم، وخلق العداوات والثارات وضرب وحدتنا المجتمعية والوطنية.
مشهد مقدسي متكرر وعلى نحو يومي، وعلى الرغم ما فيه من غصة وألم ومظاهر وظواهر سلبية، ولكن يبقى المظهر السائد، هو عنفوان المقدسيين، وتمسكهم بكرامتهم وعزتهم، وقدرتهم العالية على الصمود والعطاء وتقديم التضحيات، وتقديم النموذج في الفعل الإنتفاضي والشعبي والجماهيري، فالقدس حية بزهراتها وأشبالها وفتيانها وشبابها وشيوخها ومرابطيها ومرابطاتها، يطمئنون العرب العاربة والمستعربة والمسلمين بائعي الشعارات والبيانات، بأنهم في قدسهم صامدون وعن أقصاهم مدافعون، ولن يرفعوا الراية البيضاء.

