Menu
فلسطين - غزة °26 °19
تردد القناة 10873 v

كي لا نعود إلى حرب المائة عام: أوقفوا الحروب والصراعات الداخلية والبينية

الكاتب: قاسم قصير

منذ أن قرر الدول الاستعمارية الغربية السيطرة على العالم العربي والإسلامي وثرواته اعتمدت استراتيجية بسيطة وواضحة ولكنها خطيرة ومؤثرة؛ تقوم على قاعدة فرّق تسد، أي اعتماد التفرقة والتقسيم بين شعوب وأبناء الدول العربية والإسلامية على أسس مذهبية أو طائفية أو قومية أو عرقية، وإثارة الخلافات بين هذه الشعوب والدول أو في داخل كل دولة من أجل التمهيد للسيطرة عليها والتحكم فيها وبقرارتها وثرواتها.

وشكلت هذه القاعدة الخطيرة المدخل لتقسيم الدولة العثمانية ومن ثم توقيع اتفاقية سايكس-بيكو وصولا لقيام الكيان الصهيوني، إضافة لسيطرة الدول الاستعمارية الغربية والشرقية على أجزاء كبيرة من العالم العربي والإسلامي، ولا زلنا إلى اليوم ندفع أثمان هذه السياسات الخطيرة.

وفي القرن العشرين ومع بدايات القرن الوحد والعشرين، شهدنا عشرات الحروب والصراعات الداخلية في العديد من الدول العربية والإسلامية، وكذلك بين هذه الدول. وكانت الدول الاستعمارية ومعها الكيان الصهيوني تدعم هذه الحروب وتغذّيها بالأموال والسلاح من أجل أن تبرر تدخلها في العالم العربي والإسلامي، وتجعل هذه الدول مرتبطة بالاستعمار الغربي أو الشرقي أو تقيم علاقات مع الكيان الصهيوني، وأدت هذه الحروب والصراعات إلى سقوط ملايين الضحايا من العرب والمسلمين وخسارة آلاف مليارات الدولارات وثروات هائلة.

وفي الكتاب الشهير للمفكر اللبناني العربي الأستاذ سعد محيو: "نحو حوار عربي تركي إيراني كردي"، والصادر قبل عدة سنوات والذي مهّد للدعوة للتكامل الإقليمي، أحصى محيو الخسائر المادية والبشرية الكبيرة للحروب والصراعات الداخلية والبينية، ومنها على سبيل المثال الحرب العراقية- الإيرانية ما بين العام 1980 والعام 1988، والتي أدت لسقوط حوالي مليوني ضحية من إيران والعراق وكانت لها نتائج خطيرة اقتصادية وسياسية ومذهبية، ولا زلنا إلى اليوم ندفع ثمن هذه الحرب الخطيرة دون الدخول في أسبابها وتفاصيلها.

وخلال القرن العشرين والواحد والعشرين شهدنا عشرات الصراعات والحروب الداخلية والبينية، وذلك إما لأسباب سياسية أو مذهبية أو اقتصادية أو من أجل الصراع على السلطة والحدود والأرض، ولا يمكن تعداد كل هذه الحروب والصراعات، ولكن كمثال على ذلك الحروب الأهلية في لبنان، والصراع بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية، والصراعات والخلافات بين بعض دول الخليج حول الحدود والسياسات العامة، والحرب العراقية على الكويت، والصراع السوري العراقي، ومجازر أيلول الأسود في الأردن، والصراعات بين القوى الفلسطينية، والصراعات في أفغانستان والعراق، والصراعات في السودان والصومال وليبيا وسوريا واليمن والبحرين، وما جرى من صراعات خلال الربيع العربي.

واليوم ما نشهده من صراع في اليمن وما بين أنصار الله (الحوثيين) والسعودية ودول أخرى؛ هو نموذج خطير لهذه الصراعات الداخلية والبينية ولا يستفيد منه سوى العدو الصهيوني وأمريكا وبعض الدول الغربية، لأن هذا الصراع بغض النظر عن أسبابه وأهدافه وأبعاده لن يؤدي إلا إلى خسائر اقتصادية وبشرية وتدمير اليمن والإضرار بالسعودية، وفي النهاية لن يستطيع أي طرف حسم هذا الصراع لصالحه. والحروب التي جرت في اليمن خلال ستين عاما لم تؤد سوى إلى المزيد من الخسائر، ومنها حرب الإمامة في الستينيات ودخول السعودية ومصر على الخط مما أدى لخسائر كبرى لمصر واليمنيين، ومهّدت إلى حرب الكيان الصهيوني على مصر وسوريا والأردن في العام 1967 بعد إغراق الجيش المصري في هذا الصراع الدامي.

والخوف الأكبر أن يؤدي هذا الصراع اليوم إلى استعادة المشروع التقسيمي والاستعماري الذي تبناه الغرب، والقائم على إثارة ما يمكن تسميته: "حرب المائة عام والتي تقوم لأسباب مذهبية وقومية أو عنصرية".

ومهما كانت الأسباب التي دفعت حركة أنصار الله لتصعيد هذه الحرب وللرد على الحصار الذي تتعرض له وعدم تطبيق الاتفاقيات التي وقعت سابقا لإنهاء الصراع في اليمن، فإنه لا يمكن تبرير استمرار هذه الحرب اليوم، وهذا يتطلب مبادرة عربية وإسلامية لوقف هذه الحرب بسرعة وخصوصا من قبل مصر وإيران وباكستان وتركيا ومن يتعاون مع هذه الدول.

إن هذه الحرب تخدم العدو الصهيوني وتغطي على الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها هذا العدو في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وكذلك تساعد في تبرير وتهيئة الأجواء لقيام مشروع "إسرائيل الكبرى" والعودة لتطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية والإسلامية، إضافة للخسائر البشرية والمادية والأضرار الاستراتيجية الكبرى.

على ضوء هذه التجارب والمعطيات والدروس المستفادة من كل الحروب الداخلية والأهلية والبينية في العالم العربي والإسلامي وفي كل العالم، فإن المطلوب اليوم من كل الحكماء والمفكرين والقوى السياسية والحزبية والمرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية والإعلاميين والفنانين؛ إطلاق نداء عاجل لوقف هذا الصراع وعدم تبريره أو تبني وجهة نظر أي طرف منه، سواء داخل اليمن أو بين اليمن والسعودية أو أية دولة لها علاقة بالصراع عن قريب أو بعيد.

نحن اليوم في مرحلة خطيرة جدا، بعد ثلاث سنوات من معركة طوفان الأقصى والحروب التي جرت خلال هذه السنوات الثلاث وما حققته من نتائج استراتيجية مهمة على صعيد الصراع مع العدو الصهيوني والاستكبار الأمريكي، ولذا من المهم وقف هذا الصراع الجديد والوصول إلى اتفاق سريع لوقف الحرب تمهيدا لاتفاق شامل ينهي الأزمة اليمنية ويعيد السلام والأمان إلى كل المنطقة.

فهل من رجل رشيد بيننا؟ وهل من حكماء يتولون هذه المبادرة؟ أو سنسقط مجددا في حرب المائة عام ذات الأبعاد المذهبية والطائفية والقومية؟

المصدر: عربي 21