Menu
فلسطين - غزة °26 °19
تردد القناة 10873 v

الطوفان .. وأحلام الهيمنة الضائعة

الكاتب: د. محمد الهندي

حتى لا نضل تحت ضغوط الواقع المرير وسموم الأوهام التي تملأ الأجواء، من المهم أن نقرأ الواقع بروية وصبر .. فالحياة مستمرة مهما كان الوجع، والهزيمة لا تحدث إلا في العقول الضامرة التي لا تعرف التواضع ولا ترى إلا جزءًا واحدًا من الواقع تصر ألا ترى سواه.

ولأن الوضع الدولي والإقليمي في معظمه منافق، الغالبية فيه تصفق للقوي، هكذا كان وهكذا سيكون، فقد تعالت الأصوات التي تدعي حرصًا على فلسطين وشعبها للتشكيك في خيار المقاومة وما جلبه على غزة من قتل ودمار، ويقولون ما كان لهم أن يفعلوها، وكأن غزة وفلسطين كانت تعيش السمن والعسل قبل الطوفان.

في ظل سلامهم المزعوم كانوا يقتلوننا، يهدمون بيوتنا، يصادرون أرضنا، ويهودون قدسنا، يعتقلون شبابنا، يتحكمون بغذائنا ودوائنا وسفرنا. كانوا يسحقوننا، يحطمون عظامنا ويقتلون مستقبلنا، ويجعلون حياتنا مستحيلة. ويتهيأون للتسيد على المنطقة. وكأن الصراع في فلسطين وعلى فلسطين بدأ مع الطوفان.

ورغم أننا كنا نحترم أوهام الآخرين، إلا أننا نحاول أن نبين لهم الصورة الكلية لنرى الجزء في صورة الكل، ونقرأ الصراع في فلسطين كجزء من الصراع الغربي ضد المشرق الإسلامي، ونقرأ اللحظة الراهنة في ضوء مسيرة الماضي لنحدد الموقف الذي كان فيه شعبنا وقضيتنا عشية الطوفان. أما وجهة النظر الواحدة أو الجزئية المحدودة بوقت محدد أو مكان واحد، فهي عبارة عن خداع بصري. فتاريخ الصراع في فلسطين والإقليم لم يبدأ عشية 7 أكتوبر مع الطوفان ولا في أوسلو وذيولها التي سرعت الطوفان.

وفي ضوء الصورة الكلية نرى الولايات المتحدة ومنذ تسيدت على رأس النظام الدولي ذو القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 91 وهي تفقد بالتدريج مقومات الإمبراطورية رغم دعاوي (كتّاب البنتاغون) حول نهاية التاريخ .

فعلى مستوى الرسالة : فقد انتهى بريق الرأسمالية أمام التغول المفرط لهيمنة الولايات المتحدة والشركات العملاقة العابرة للحدود على ثروات الأمم والشعوب الضعيفة في جنوب العالم. ولم يعد الغرب بأي حال يشكل نموذجاً أو رسالة مقنعة للآخرين، وزادت شكوك الشعوب في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بأنها مستهدفة من الغرب والولايات المتحدة خاصة والتي تستخدم القوة الخشنة بدون حساب لقمع الشعوب ونهب الثروات بعيدا عن طرق (النيوكولونيالية) المغلفة بدعاوي الديمقراطية وحقوق الإنسان. وكان ذلك على أشده في أفغانستان والعراق وفلسطين وفنزويلا وتهديد كوبا وكولومبيا. وعلى مستوى تمثيل وقيادة الغرب : فإن الولايات المتحدة تفقد هذا الدور، ووحدة أوروبا تحت راية الولايات المتحدة بدأت تتفلت بعد أن ظهرت التناقضات وبرزت الأطماع بداية من حرب روسيا وأوكرانيا ثم على وقع صدمة طوفان الأقصى، ثم فرض رفع نسبة تمويل ( حلف الناتو) على أوروبا، وزيادة التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة من دول أوروبا في محاولة لفرض ترتيبات جديدة للتبادل التجاري ، وفرض ضخ كميات من وقود الديزل من مخزون أوروبا الاستراتيجي في السوق الدولية. وأخيرا إعلان أطماع الولايات المتحدة في السيطرة على جزيرة ( غرينلاند) ، وكذلك الرغبة في ضم كندا.

وإذا كانت أوروبا تبحث عن حلول لهذه القضايا تجنباً لزيادة التوتر في وقت لا زالت الحرب مشتعلة في شرق أوروبا فإن الولايات المتحدة بهذه العقلية التي يمثلها ترامب وفريقه لا يمكن أن تجري مراجعة جادة لسياستها سواء مع أوروبا أو في الشرق الأوسط، حيث تشن الولايات المتحدة الحروب لصالح "إسرائيل" أساسا، دون التأكد من أن هذه الحروب تخدم الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة المعلنة من قبل البنتاغون في يناير 2025، والتي تركز حسب التقرير الاستراتيجي للدفاع الوطني الأمريكي على ردع الصين في المحيطين الهندي والهادي.

والسؤال هنا ما هي المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة حسب هذه الرؤية في العدوان على إيران والتي ستتضح كلفتها الحقيقية لاحقا؟

هذا التساؤل تكرر سابقا عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في العدوان على العراق والتي كلفت الولايات المتحدة حوالي أربعة آلاف وخمسمائة قتيل ، وأكثر من 32 ألف جريح ، وما يقارب ثلاثة تريليون دولار ، لكن لـ"إسرائيل" مصالح في إضعاف العراق و إنهاكها ومنع تطورها، كما لـ"إسرائيل" اليوم مصالح في إنهاك إيران وتفتيتها وإنهاء دورها وتمددها في الإقليم . وهذا ينطبق على جميع دول الإقليم بما فيهم حلفاء الولايات المتحدة والمطبعين مع "إسرائيل"، ليبقى الجميع ضعيفا ومنهكا وفي حاجة لـ"إسرائيل".

إن الحرب مع إيران تصب القمح في طاحونة الصين كما حرب روسيا مع أوكرانيا، فالإيرانيون كما الروس في حاجة إلى المساعدة من الصين وتطوير العلاقات الاستراتيجية معها، وهذا نقيض المصلحة الاستراتيجية الأمريكية التي تعتبر الصين الزاحفة إلى أكثر دول العالم عبر مشاريع اقتصادية التحدي الأكبر لها.

وأياً كانت النقطة التي ستقف عندها هذه الحروب مع إيران وفي أوكرانيا وفي اليمن والعدوان على غزة والضفة ولبنان وسوريا، فإن قضايا كثيرة ستبقى محل نزاع وتوتر مستمر، وقبل الإشارة إلى هذه القضايا نسجل هنا عدة ملاحظات:

*أولا ـ تصدعات جديدة في العلاقات الدولية والإقليمية ناتجة عن صدمة أوكرانيا والفشل التام في الاتفاق على مخرج لها، نتيجة لتعارض المصالح بين جميع الأطراف المنخرطة فيها وفشل ذريع للولايات المتحدة في احتواء روسيا. وصدمة طوفان الأقصى والفشل التام في فرض الحسم رغم الدمار الكبير والإبادة الجماعية وإصرار "إسرائيل" على استمرار العدوان بغض النظر عن أي اتفاقات وتعهدات، وسلوك إدارة ترامب التي تتفاعل مع مصالح ومطالب "إسرائيل" وتعطي الفرص لنتنياهو للتملص من أي اتفاق، والمثل الأوضح لذلك الاتفاق الأخير في القاهرة في يونيو ٢٠٢٦ والذي وصفه ترامب بالاتفاق التاريخي وفي اليوم التالي أعلن نتنياهو عدم قبوله. وصدمة إيران والفشل التام في إخضاع إيران أو احتوائها والتي تواصل تحدي سياسة أمريكا والغرب في الإقليم. وصدمة اليمن والفشل التام في إخضاع (أنصار الله) الذين يواصلون تحدي الترتيبات الإقليمية والدولية مع احتمال انتقال التوتر إلى مضيق باب المندب. وكل هذه التصدعات مرشحة للتفاقم ومفتوحة على الاتساع.

*عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين