الكاتب: شرحبيل الغريب
لم تكن عملية "طوفان الأقصى"، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مجرّد هجوم عسكري مفاجئ نفّذته المقاومة الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، بل كانت لحظة فاصلة هزّت الأسس التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ففي ذلك اليوم، انهارت صورة الدولة المحصّنة والجيش الذي لا يُقهر، وكشفت العملية إخفاق أجهزة الأمن والاستخبارات، ووضعت "إسرائيل" أمام أزمة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتطال المجتمع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، ومعها صورتها العالمية.
بعد ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت "إسرائيل" أكثر أمناً بقوّتها العسكرية، أم أنّها دخلت في دائرة واسعة من المواجهة المفتوحة، من دون أن تتمكّن من تحويل تفوّقها العسكري إلى حسم وأمن دائم؟
تكمن المفارقة في أنّ "إسرائيل" استخدمت قوّتها العسكرية ووسّعت نطاق عملياتها في غزة ولبنان، لكنّها لم تستطع ترجمة إنجازاتها الميدانية إلى نزع سلاح المقاومة، أو فرض أمن مستقرّ، أو الوصول إلى تسوية سياسية تضمن لها الاستقرار.
كشف السابع من أكتوبر إخفاقاً في العقيدة الأمنية وحدوداً للقوّة العسكرية، وأظهر أنّ هذه القوّة، والتفوّق التكنولوجي والاستخباراتي، لم تمنع هجوماً نوعياً للمقاومة الفلسطينية، خصوصاً حين تتحوّل التقديرات الأمنية إلى افتراضات ثابتة في العقل الأمني الإسرائيلي.
تعاملت المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية طويلاً مع قطاع غزة باعتباره ساحة يمكن احتواء تهديداتها عبر المراقبة الإلكترونية وسياسة الحصار والضربات الجوية والعمليات العسكرية المحدودة، لكنّها أخفقت في تقدير قدرة حماس وفصائل المقاومة على المبادرة وتنفيذ عملية بهذا الحجم.
ولم يكن الإخفاق مجرّد فشل استخباراتي، بل كشف خللاً أعمق في منظومة اتّخاذ القرار، وإفراطاً في الثقة بالتفوّق العسكري والتكنولوجي، وتقليلاً من شأن قدرات المقاومة الفلسطينية. فقد أثبت السابع من أكتوبر أنّ امتلاك المعلومات لا يعني فهم دلالاتها، وأنّ الجدار الأمني الذي بنته "إسرائيل" على حدود غزة والتفوّق العسكري لا يستطيعان وحدهما تعويض الإخفاقات الأمنية والسياسية والاستراتيجية.
ومنذ هذا الحدث التاريخي المفصلي، أصبحت إعادة بناء قوّة الردع هدفاً مركزياً للحرب على غزة. غير أنّ الردع لا يُقاس بحجم الدمار الذي خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية، بل بمدى القدرة على منع تكرار مثل هذه العملية النوعية، وتوفير أمن مستقرّ للمستوطنات المحاذية للقطاع. وقد أثبتت الحرب أنّ تحقيق هذه الأهداف أصعب بكثير من تدمير الأحياء السكنية أو إضعاف البنية العسكرية للمقاومة.
وهنا تظهر نقطة الضعف الإسرائيلية الأولى، المتمثّلة في الخلط بين التفوّق العسكري والسيطرة الفعلية. فمن حيث المنطق، تستطيع "إسرائيل" شنّ عمليات عسكرية والتوغّل برّياً وتوجيه ضربات جوية، لكنّها تواجه صعوبة في تحويل هذه القدرات إلى وضع أمني مستقرّ، خصوصاً مع غياب أفق الحلّ السياسي واستمرار أسباب المواجهة.
لم تقتصر تداعيات السابع من أكتوبر على المؤسّسة العسكرية، بل أحدثت صدمة عميقة في المجتمع الإسرائيلي، وهزّت الشعور بالأمن الشخصي وأمن المستوطنات، وكشفت عجز الدولة عن حماية مستوطنيها رغم تفوّقها العسكري والتكنولوجي.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه الخلافات السياسية مؤقّتاً أمام خطاب الخطر المشترك الذي سوّق له نتنياهو، عادت الانقسامات بصورة أكثر حدّة حول إدارة الحرب وأولوياتها والمسؤولية السياسية عن الإخفاق الاستراتيجي. وأصبحت العلاقة بين حكومة نتنياهو والمعارضة والقيادة العسكرية ساحة صراع حول مفهوم "النصر المطلق"، الذي روّج له نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف. وبرز سؤال أساسي: هل يتحقّق النصر بالقضاء على قدرات حماس والمقاومة وحزب الله، أم بعودة الأسرى، أم بإنهاء الحرب ومنع تكرار ما جرى؟ لم يُجب نتنياهو عن أيّ من هذه الأسئلة آنذاك.
كشفت هذه الانقسامات عن أزمة ثقة تتجاوز الخلافات السياسية، لتطال شرعية نتنياهو وقدرته على إدارة الحرب والخروج منها. كما واجهت المؤسّسة العسكرية تساؤلات جوهرية بشأن إخفاقها في منع عملية "طوفان الأقصى"، وأصبحت المطالبة بالتحقيق والمحاسبة جزءاً من الصراع السياسي الداخلي.
وتتمثّل نقطة الضعف الإسرائيلية الثانية في التعويل على انعدام الأمن لتوحيد المجتمع مؤقّتاً، من دون معالجة الانقسامات التي تحدّ من قدرته على اتّخاذ قرارات استراتيجية متماسكة. فالتوتّر بين التيارات الدينية والعلمانية الإسرائيلية، والخلافات حول توزيع أعباء الخدمة العسكرية، والصراع على استقلالية المؤسّسات، كلّها قضايا تداخلت مع إدارة الحرب وأثّرت في تماسك الجبهة الداخلية.
كذلك، فرض استمرار الحرب أثماناً اقتصادية ونفسية واجتماعية كبيرة، من استنزاف الموارد واضطراب الحياة إلى تصاعد القلق وانعدام اليقين بشأن الأمن والمستقبل. ومع غياب أفق واضح لنهاية الحرب، تزداد صعوبة إقناع المجتمع بتحمّل تكاليفها بذريعة تحقيق الأمن.
وعلى المستوى الاستراتيجي، تبرز حقيقة مفادها أنّ القوّة العسكرية المفرطة لا توفّر بالضرورة حلّاً للصراع، بل تعمّق المأساة وتعيد إنتاج المواجهة في المستقبل. فالعمليات العسكرية قد تضعف قدرات المقاومة، لكنّها لا تضمن القضاء على فكرة المقاومة أو إنهاء أسباب الصراع المرتبطة بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
رفع حجم الدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، خلال ثلاث سنوات، الكلفة السياسية والأخلاقية للحرب، وطرح تساؤلات بشأن قدرة "إسرائيل" على فرض واقع سياسي جديد بالقوّة العسكرية، وبشأن استحالة حسم الحرب لمصلحتها.
وتتمثّل نقطة الضعف الإسرائيلية الثالثة في أنّ القدرة على التدمير الشامل لا تعني القدرة على إنهاء فصائل المقاومة أو فرض نظام سياسي بديل. فغياب تصوّر سياسي واضح، ومنع قيام حكومة متوافق عليها فلسطينياً، وغياب الضمانات الأمنية المرتبطة بحقوق الشعب الفلسطيني، كلّها عوامل تجعل الإنجازات العسكرية عرضة للتآكل مع مرور الوقت وحتى إذا تراجعت القدرات العسكرية لحماس أو فصائل المقاومة، فإنّ ذلك لا يعني نهاية القضية الفلسطينية أو اختفاء أسباب الصراع. فالتعامل مع الفلسطينيين في قطاع غزة باعتبارهم مشكلة أمنية فقط، بدلاً من الاعتراف بالأبعاد السياسية والاستراتيجية للصراع، يضع "إسرائيل" أمام معضلة متكرّرة: قد تنجح في فرض وقائع بالقوّة مؤقّتاً، لكنّها لا تستطيع ضمان استمرارها من دون ترتيبات سياسية تعالج جذور المشكلة.
ومن هنا، فإنّ السؤال الأهمّ ليس ما إذا كانت "إسرائيل" قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية جديدة، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل نتائجها إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، توفّر الأمن وتمنع تجدّد المواجهة مع المقاومة.
لم تبقَ تداعيات الحرب محصورة في قطاع غزة، بل امتدّت إلى علاقات "إسرائيل" الإقليمية ومواجهاتها مع قوى ودول في المنطقة، وإلى توازناتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وقد يقول قائل إنّ "إسرائيل" أظهرت قدرة على فتح جبهات متعدّدة، لكنّ هذه القدرة كشفت، في الوقت نفسه، ارتفاع كلفة الاستنزاف الطويل عليها، وصعوبة الحفاظ على الجاهزية العسكرية وحماية الجبهة الداخلية بالتزامن مع اتّساع المواجهة.
وعلى المستوى الدولي، تراجعت صورة "إسرائيل" لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، خصوصاً بسبب حجم الكارثة الإنسانية والدمار في غزة. وأصبحت الحرب مصدر كلفة سياسية وأخلاقية، وأثّرت في علاقاتها الدولية، ووضعت دولاً كثيرة أمام اختبار سياسي وأخلاقي.
أمّا العلاقة مع الولايات المتحدة، فقد كشفت حدود الاعتماد على الحليف الاستراتيجي. فـ"إسرائيل" تحظى بدعم عسكري وسياسي واستخباراتي أميركي واسع، إلى جانب الغطاء الدبلوماسي، لكنّ استمرار الحرب رفع كلفتها السياسية والأخلاقية، ووسّع الفجوة بين السياسات الإسرائيلية وقطاعات كبيرة من الرأي العام الأميركي.
وتتمثّل نقطة الضعف الإسرائيلية الرابعة في أنّ الاعتماد على الولايات المتحدة لا يمنح "إسرائيل" حرية مطلقة في العمل العسكري، ولا يوفّر لها حصانة من التداعيات السياسية. فالحفاظ على التفوّق العسكري يتطلّب استمرار الدعم الأميركي، لكنّه يتطلّب أيضاً مراعاة الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، وتجنّب تحويل العلاقة مع الحليف الأهمّ إلى مصدر خلاف متزايد.
أظهرت الحرب على قطاع غزة نتيجة بالغة الأهمية، مفادها أنّ القوّة العسكرية المفرطة لا تحقّق أمناً كاملاً، ولا تحمي "إسرائيل" من تضرّر صورتها الدولية أو تصدّع علاقاتها مع حلفائها. وتكشف تجربة السنوات الثلاث من حرب الإبادة عن ثلاثة حدود أساسية للقوّة الإسرائيلية في قطاع غزة.
الحدّ الأول: حدود القوّة العسكرية، إذ لا يمكن تحويل مواجهة كلّ تهديد إلى انتصار نهائي مطلق، خصوصاً عند مواجهة فصائل مقاومة لا تتّخذ شكل الجيوش النظامية وتعمل داخل بيئة جغرافية معقّدة. فالتفوّق في السلاح والقدرة على المناورة لا يضمنان، أساساً، تحقيق الأهداف السياسية المعلنة للحرب.
الحدّ الثاني: حدود الردع، إذ تبيّن أنّ استخدام القوّة العسكرية المفرطة قد يضعف القدرات العسكرية للمقاومة، لكنّه لا يضمن حسم المواجهة أو منع تجدّدها. وقد وجدت "إسرائيل" نفسها، بعد ثلاث سنوات، أمام واقع اللاسلم واللاحرب، حيث لا تزال احتمالات التصعيد قائمة رغم انخفاض حجم العمليات العسكرية بين حين وآخر.
الحدّ الثالث: حدود الجبهة الداخلية، إذ كشفت الحروب الطويلة عن قدرتها على الاستنزاف ومفاقمة الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية في "إسرائيل"، وزيادة الخلافات بين نتنياهو والمعارضة حول القيادة والمساءلة. وكلّما طال غياب الأفق السياسي، ازدادت صعوبة الحفاظ على أيّ شكل من أشكال التوافق الداخلي بشأن أهداف الحرب ونهايتها.
وبناءً على ذلك، يبرز السؤال الجوهري في ذكرى السابع من أكتوبر: هل ربحت "إسرائيل" الحرب وخسرت معادلة الأمن؟
ليس معيار قياس نجاح "إسرائيل" أو فشلها عدد العمليات العسكرية أو حجم الدمار الذي ألحقته بقطاع غزة، بل قدرتها على توفير الأمن وحماية المستوطنين، وتثبيت معادلات تمنع تكرار ما جرى وتحافظ على تحالفاتها الإقليمية. تلك هي وجهة النظر في العقل الإسرائيلي، لكنّ الأمن الحقيقي لا يتحقّق بمجرّد الردّ بهذا الشكل على عملية كبيرة مثل "طوفان الأقصى". وحتى الآن، لا يوجد ما يضمن منع تكرار ما حدث، لأنّ "إسرائيل" لم تعالج أصل المشكلة.
في تقديري، كشف السابع من أكتوبر أنّ أخطر نقاط الضعف الإسرائيلية لا تكمن في نقص السلاح أو التكنولوجيا، بل في الثقة المفرطة بالتفوّق العسكري والتكنولوجي، والوقوع في شباك الخداع الذي مارسته حماس قبل العملية، والخلط بين القوّة والحسم، وتراجع الثقة بالمؤسّسات السياسية والأمنية، والعجز عن تحويل الفعل العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
قد تكون "إسرائيل" قادرة على خوض حروب جديدة، لكنّها لن تكون بالضرورة أكثر أمناً. فالمعضلة الإسرائيلية لم تعد محصورة في كيفية تحقيق الانتصار العسكري، بل في كيفية تحويله إلى واقع سياسي يضمن لها الاستقرار والأمن ويحدّ من احتمالات تجدّد المواجهة. وهذا أيضاً غير مضمون على الإطلاق، فما زالت جبهات الاشتباك مفتوحة.
في المحصّلة النهائية، أستطيع القول إنّ الحرب على غزة أثبتت أنّ التفوّق العسكري والتكنولوجي لا يكفيان لصناعة نصر استراتيجي مطلق، كما روّج له نتنياهو، وأنّ القدرة على تدمير قطاع غزة لا تعني القدرة على حسم المواجهة مع المقاومة. فقد وجدت "إسرائيل" نفسها اليوم أمام أسئلة عميقة بشأن أمنها ومستقبل استراتيجيتها في قطاع غزة وحتى في لبنان، في حين أعادت عملية "طوفان الأقصى" القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأكّدت أنّ تجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني أو محاولة تجاوزها بالقوّة لا ينهي القضية، بل يفاقم أسباب الصراع ويُبقي المنطقة مشتعلة، حتى إن هدأت قليلاً.
المصدر: الميادين أونلاين
