الكاتب: سيف الدين موعد
أتفهم غضب كثير من الفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات من الطريقة التي يجري بها التعامل مع انتخابات المجلس الوطني، خصوصاً انهم عاشوا عقودا من الإقصاء والتهميش، بينما يطلب منهم الآن أن يقبلوا بمجموعات محدودة تختار بالنيابة عنهم من يتحدث باسمهم.
ومن هذا الغضب تستمد حملات "رفض التعيين" قوتها، لأنها تدور حول حق جرى مصادرته لوقت طويل. غير أن استعادة هذا الحق تفتح مسؤولية بحجم القضية التي سينهض بها المنتخبون.
فلنفترض جدلاً أن هذه الحملات نجحت، ووصل ممثلو اللاجئين والشتات جميعا عبر انتخابات نزيهة، هل ستحسم هذه العملية الطريقة التي سيتصرف بها المنتخبون بالتفويض الذي منحهم إياه الفلسطينيون؟ وأي مشروع ستخدمه المنظمة التي انخرطوا فيها؟
تكتسب هذه المسألة إلحاحها من توقيت الدعوة إلى الانتخابات والسياق الذي يحيط بها، فهي تأتي وسط الترتيبات الدولية المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية، وخصوصا ما يتعلق بغزة وإدارتها وإعمارها وسلاح مقاومتها، وإعادة تأهيل السلطة في الضفة، وربط ذلك بمسار إقليمي أوسع.
فحين يضع إعلان نيويورك الانتخابات وإصلاح السلطة وتوحيد الأجهزة والسلاح وعودتها إلى غزة في طريق ينتهي بحل الدولتين، فإنه يطلب من الفلسطيني إعادة ترتيب حياته السياسية على أساس وعد غير مضمون، بدلالة ثلاثة عقود من السراب. فخلال هذه العقود راكم الاحتلال على الأرض استيطانا وتقطيعا للجغرافيا وتوسيعاً للاحتلال والإبادة.
والمفارقة أن قيادة السلطة شاركت في صياغة هذا الاتجاه حين طرحت عودة السلطة إلى غزة ووحدة الحكم وحصر السلاح في الجهة "الشرعية"، ثم التقت رؤيتها بمصالح وتصورات عربية ودولية، فعاد إليها ما قدمته كمشروع فلسطيني محاطا بشروط القبول الخارجي.
ومن هنا تنشأ حساسية اللجوء إلى الانتخابات، فالمطلوب من الإرادة الشعبية الفلسطينية أن تمنح السلطة تفويضا وشرعية لتنفيذ ترتيبات حسم جانب من اتجاهها قبل الاقتراع، وأن تستخدم مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات لتغطية هذه الخيارات المحسومة.
ويظهر توزيع الأدوار داخل هذا التصور في تركيز الاهتمام الدولي على الانتخابات التشريعية ولاحقاً الرئاسية في الضفة وغزة، مقابل الحضور الهامشي لانتخاب المجلس الوطني بوصفه ممثل الشعب في الداخل والخارج. كما تكتسب إعادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132، بعد طرح رفعه إلى مئتين، أهميتها من انتقال هؤلاء تلقائيا إلى عضوية المجلس الوطني، بينما تستكمل تركيبته عبر الاختيار والتعيين بواسطة المجمعات الانتخابية المفصلة على قياس السلطة، وبذلك يمتد أثر ذلك على اختيار اللجنة التنفيذية وصوغ برنامج المنظمة وعلاقتها بالسلطة، وتقرير الجهة التي ستتحدث باسم اللاجئين في أي تسوية مقبلة.
ويزداد هذا الامر وضوحا مع إبقاء تعديلات القانون الانتخابي لعام 2026 شرط التزام المرشح بمنظمة التحرير كممثل وحيد والالتزام ببرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ما يعني اغلاق الباب امام أي مراجعة للأساس السياسي للعملية كلها.
وهنا ينبغي مساءلة القضايا التي يستطيع الناخب التأثير فيها، فهل ستتاح له مراجعة تجربة أوسلو أو إعادة تحديد وظيفة السلطة وعلاقتها بالمنظمة وبحركة التحرر؟ وهل يحق له تقرير موقع المقاومة وحقوق اللاجئين في القضية؟ أم أن الانتخابات تهدف أساسا إلى تضييق الحيز السياسي للمقاومة وإخضاع حضورها لمقتضيات السلطة، بدلا من أن يترك الأمر للنظام الذي ستشكله الانتخابات؟
ومن هذه الزاوية تتجه المساءلة إلى القوى المعترضة نفسها، من حماس والجهاد والجبهة الشعبية إلى تيار دحلان وناصر القدوة والتيارات والشخصيات وسائر التجمعات المعترضة على التعيين، فالخصومة مع السلطة تستطيع جمع أطراف متباعدة في تكتل انتخابي، أما حمل المشروع الوطني فيتطلب اتفاقا على القضايا التي سيواجهها هذا التكتل فور دخوله المنظمة.
وأريد هنا أن أفهم الأساس الذي سيجمع هذه الأطراف في إدارة خلافاتها حول التسوية والمقاومة والتنسيق الأمني ووظيفة السلطة، وكيف ستترجم اعتراضها إلى قدرة على تغيير القواعد التي تنتقدها.
فتأجيل هذه المسائل إلى ما بعد الانتخابات يهيئ لتحالف واسع في حجمه، لكنه عاجز عن إنتاج وجهة مشتركة، وقد تنتهي مشاركته إلى منح السلطة الشرعية التي تنشدها.
ولحملات اللاجئين والشتات الفلسطيني موقع خاص في هذه المعركة، لأنها تستند إلى انتماء فلسطيني يسبق المؤسسات التي تسعى للانخراط فيها، ويمنح أصحابها حق المشاركة في تقرير مصير الشعب الفلسطيني حيثما عاش. فالسلطة تدير جزءاً من الفلسطينيين في جزء من فلسطين، بينما قامت مكانة المنظمة على تمثيل الشعب وحمل مشروعه التحرري، وقد أدى تمدد منطق السلطة داخلها إلى إخضاعها بشكل واسع لحساباتها.
لذلك تستطيع حركة الاعتراض أن تعيد فتح سؤال الجماعة السياسية الفلسطينية، بشرط أن تحمل مطالبتها بالمقاعد تصورا حول المشروع الوطني، وأن تتجاوز المساومة على نسب البلدان والتجمعات الفلسطينية إلى بناء صلة سياسية فاعلة بين الفلسطيني وقضيته.
ويقاس جدوى هذا الجهد أيضا بالوقت الذي يتطلبه، فبينما ينشغل الفلسطينيون بتجديد المؤسسات وتحصيل الاعترافات وإدارة الخلاف على التمثيل، يواصل الاحتلال تغيير الأرض التي يدور عليها الصراع، وقد نصل إلى مجلس وطني أوسع تمثيلا وقيادة أكثر قبولاً، لكن قدرتها على الفعل قد تتراجع مع انكماش المجال الجغرافي والسياسي أمامها.
لهذا أرى أن قوة "رفض التعيين" تكمن في حمل مطلب الانتخاب إلى غايته الوطنية، عبر ربط اختيار الممثلين بحق الشعب في تقرير المشروع الذي يحملونه، والبرنامج السياسي الذي يفتح مراجعة تضع تجربة غزة ومصير الضفة وحقوق اللاجئين وموقع المقاومة ضمن رؤية تحررية مشتركة.
بذلك يصبح الصراع على المجلس الوطني صراعا على قدرة الفلسطينيين على استعادة زمام قضيتهم، وإعادة بناء مشروعهم الوطني وصياغة البرنامج السياسي الذي يعبر عن طبيعة المرحلة وتحدياتها الجسام.
