الكاتب: محمود الحنفي
منذ بداية الحرب على غزة، صدرت تقارير وقرارات قانونية كثيرة، لكن معظمها بقي بعيداً عن التنفيذ. أما الخطوة التركية الأخيرة فتختلف نسبياً؛ لأنها انتقلت من توثيق الجرائم وإدانتها إلى فتح ملف قضائي بأسماء محددة، وإصدار أوامر قبض، ثم طلب الاستعانة بالإنتربول. وقد أثار هذا التطور الاهتمام، ليس لأنه يعني أن اعتقال نتنياهو أصبح وشيكاً، بل لأنه يطرح سؤالاً قانونياً واضحاً: ماذا تستطيع محكمة وطنية أن تفعل عندما تلاحق رئيس حكومة أجنبية، وما القيمة العملية لطلب إصدار نشرة حمراء بحقه؟
وبحسب ما أعلنته وزارة العدل التركية في 21 آب/أغسطس 2026، تستمر الإجراءات أمام محكمة الجنايات العليا الحادية عشرة في إسطنبول بحق 35 متهماً، على خلفية التدخل الإسرائيلي ضد ناشطي أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية واحتجازهم. وكانت المحكمة قد أصدرت في 14 تموز/يوليو أوامر قبض بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين، قبل الشروع في إجراءات طلب إصدار نشرة حمراء بحقهم. وتضم الاتهامات المعلنة الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، والتعذيب، والحرمان غير المشروع من الحرية، والإيذاء العمد، والإضرار بالممتلكات، والاستيلاء على وسيلة نقل، وغيرها من الأفعال التي يرى الادعاء التركي أنها تدخل في نطاق اختصاص القضاء الوطني. وقد أكد الإعلان الرسمي أن القضية مسجلة تحت الرقم 2026/108 أمام المحكمة المذكورة.
برأيي، أول ما ينبغي فعله هو تحرير هذا التطور من المبالغة. فتركيا لم تُصدر مذكرة توقيف دولية بحق نتنياهو، لأن الدول لا تملك وحدها إصدار مذكرة ملزمة للعالم؛ ما صدر هو أمر قبض وطني، ثم بدأت السلطات التركية إجراءات طلب نشرة حمراء من الإنتربول. وبين الأمرين فارق قانوني كبير.
ماذا تعني النشرة الحمراء فعلياً؟
النشرة الحمراء هي طلب للتعاون الشرطي الدولي، يهدف إلى تحديد مكان الشخص المطلوب وتوقيفه مؤقتاً، تمهيداً لتسليمه أو لاتخاذ إجراء قانوني مماثل بحقه. وهي ليست حكماً بالإدانة ولا مذكرة توقيف دولية ملزمة؛ فالإنتربول ليس محكمة أو نيابة دولية، ولا يملك قوة شرطية تتولى القبض على الأشخاص. كما أن صدور النشرة لا يُلزم الدول بالتوقيف تلقائياً، إذ تبقى استجابة كل دولة خاضعة لقانونها الوطني، وشروط التسليم، والتزاماتها الدولية.
ومع ذلك، لا أرى أن غياب الإلزام يُفرغ الخطوة من قيمتها. فإذا وافق الإنتربول على الطلب، تُدرج بيانات الشخص المطلوب في منظومته الشرطية الدولية، وتصبح حركته عبر الحدود موضع تدقيق لدى الأجهزة المختصة في الدول الأعضاء. وقد تمتنع بعض الدول عن توقيفه، بينما قد توقفه دول أخرى مؤقتاً أو تعرض مسألة تسليمه على قضائها. وفي جميع الأحوال، يصبح السفر أكثر تعقيداً، وترتفع كلفته القانونية والسياسية.
هل يقبل الإنتربول الطلب التركي؟
تنص المادة الثالثة من دستور المنظمة على حظر أي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري. ومن المتوقع أن يدفع الدفاع بأن الطلب التركي نتاج نزاع سياسي وعسكري بين دولتين، وأن استخدام الإنتربول فيه يهدد حياد المنظمة. لكن هذا الدفع، على أهميته، لا يحسم المسألة وحده. فوجود سياق سياسي لا يعني بالضرورة أن الوقائع ليست جنائية، وإلا أصبحت أفظع الجرائم الدولية خارج نطاق التعاون الشرطي لمجرد أنها ارتُكبت أثناء حرب أو نزاع دولي.
الإنتربول نفسه يقر بإمكان التعاون في ملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ولذلك تجري وحدة متخصصة داخل المنظمة مراجعة كل طلب قبل اعتماده، وتبحث في طبيعة التهم، والوقائع الأساسية، وصفة الشخص المطلوب، والسياق العام، والبيانات القضائية المقدمة، ومدى غلبة العنصر السياسي على الطابع الجنائي للقضية. وقد ينتهي الفحص إلى قبول الطلب أو رفضه؛ وإذا رُفض بسبب تعارضه مع المادة الثالثة، فإن هذا الرفض لا يبطل أمر القبض التركي ولا ينهي القضية الوطنية، بل يمنع استخدام قنوات الإنتربول في تنفيذها.
قوة الملف تبدأ من قوة الأدلة
وأظن أن مصير الطلب سيتوقف إلى حد بعيد على جودة الملف أكثر من قوة التصريحات المصاحبة له. لا يكفي أن يقال إن أفعالاً خطيرة وقعت، بل يجب تحديدها وربطها بكل متهم على حدة: ما القرار الذي اتخذه؟ وما حدود سلطته؟ وهل أصدر أمراً أو وافق عليه أو أسهم في تنفيذه؟ وما طبيعة الأدلة التي تثبت هذه الصلة؟ وهل يتوافر القصد الجنائي الخاص المطلوب في جريمة الإبادة الجماعية، وهي من أصعب الجرائم إثباتاً؟ وهل يملك القضاء التركي أساساً واضحاً للاختصاص بهذه الوقائع؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً، فالادعاء بارتكاب الإبادة الجماعية يتطلب، إضافة إلى الفعل المادي، إثبات قصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً، بصفتها تلك. أما المسؤولية القيادية فلا تقوم لمجرد شغل منصب سياسي مرتفع، فيجب بناء رابطة قانونية بين المتهم والقرار والسلوك الجرمي والنتيجة والقصد. ومن هنا أرى أن صلابة الخطوة التركية ستُقاس بقدرتها على تحويل الغضب المشروع إلى ملف أدلة، لا إلى قائمة اتهامات واسعة تفتقر إلى التفصيل.
على أي أساس يلاحق القضاء التركي نتنياهو؟
ويبرز أيضاً سؤال الاختصاص القضائي التركي، فالقضاء الوطني يحتاج إلى رابطة قانونية تبرر نظره في الجرائم: جنسية الضحايا، أو وقوع جزء من الفعل ضمن نطاق اختصاص الدولة، أو تسجيل السفينة لديها، أو وجود المتهم في إقليمها، أو تطبيق مبدأ الاختصاص العالمي على الجرائم الدولية الجسيمة. وكلما كان أساس الاختصاص محدداً ومسنوداً إلى القانون التركي والالتزامات الدولية، ازدادت فرصة صمود الملف أمام مراجعة الإنتربول وأمام محاكم الدول التي قد يُطلب منها التنفيذ.
هل الحصانة الشخصية تحميه؟
أما الحصانة، فهي العقدة الأكثر تعقيداً. نتنياهو رئيس حكومة قائم في منصبه، والقانون الدولي العرفي يمنح رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية حصانة شخصية أمام القضاء الجنائي الوطني الأجنبي طوال توليهم مناصبهم. ولهذا فإن إصدار محكمة وطنية أمراً بالقبض لا يعني أن كل دولة تستطيع تنفيذه من دون أن تواجه مسألة الحصانة. وقد تختلف الدول في تفسير نطاق هذه الحماية، ولا سيما عندما تتعلق الاتهامات بجرائم دولية جسيمة، لكن القول إن الحصانة زالت تلقائياً لمجرد خطورة الجريمة سيكون تبسيطاً لمسألة لا تزال موضع خلاف قانوني وسياسي واسع.
وهنا يجب الفصل بين أمر القبض التركي ومذكرة المحكمة الجنائية الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية أصدرت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرة قبض بحق نتنياهو عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الحالة الفلسطينية، وتلك المذكرة تستند إلى نظام روما الأساسي وإلى اختصاص محكمة دولية، وتثير التزامات خاصة على الدول الأطراف في النظام. أما الطلب التركي فيستند إلى قرار صادر عن قضاء وطني وإلى قواعد التعاون الشرطي والتسليم بين الدول. المساران قد يتقاطعان سياسياً وواقعياً، لكنهما لا يتحدان من حيث المصدر والاختصاص وآليات التنفيذ.
ما التأثير العملي للخطوة التركية؟
ومن الناحية العملية، أرى أن تأثير الخطوة يمكن أن يظهر في أربع دوائر مترابطة. الأولى قضائية، إذ تضيف ملفاً وطنياً جديداً إلى مسارات المساءلة القائمة. والثانية شرطية، إذا وافق الإنتربول وأصبحت بيانات المطلوبين متاحة للدول الأعضاء. والثالثة دبلوماسية، لأن كل زيارة خارجية قد تستدعي مشاورات مسبقة حول احتمال التوقيف والحصانة. أما الرابعة فهي رمزية وتاريخية: تثبيت أسماء القيادات السياسية في سجلات قضائية مرتبطة بادعاءات محددة، بدلاً من بقاء الجرائم في نطاق التقارير الحقوقية وحدها.
لكنني لا أرى أن الرمز يكفي، فالخطوة التركية ستفقد كثيراً من وزنها إذا بقيت موسمية أو مرتبطة بالتوتر السياسي بين أنقرة وتل أبيب. قيمتها الحقيقية تقتضي استمرار التحقيق، وحفظ الأدلة، والاستماع إلى الضحايا، ونشر قدر كافٍ من الحيثيات القانونية، واحترام حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة. العدالة الانتقائية لا تعالج ازدواجية المعايير، والملف الضعيف قد يتحول إلى هدية مجانية للمتهم، لأنه يتيح له تقديم نفسه بوصفه ضحية ملاحقة سياسية.
ومن الزاوية الفلسطينية، أثار فضولي أن هذه القضية تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يستطيع القانون أن يقترب فعلاً من أصحاب القرار، أم أنه سيواصل ملاحقة المنفذين الصغار ويترك القيادات خلف حصون السياسة والحصانة؟ لسنوات طويلة، بدا أن العدالة الدولية أكثر جرأة تجاه قادة الدول الضعيفة، وأشد حذراً عندما يتعلق الأمر بمسؤولين تحميهم قوى دولية نافذة. لذلك فإن اختبار الطلب التركي لا يتعلق بنتنياهو وحده، بل بقدرة منظومة التعاون الدولي على تطبيق قواعدها عندما يصبح المطلوب حليفاً لدول قوية.
في تقديري، لن تقلب النشرة الحمراء -إن صدرت- موازين السياسة الدولية، ولن تؤدي بالضرورة إلى اعتقال نتنياهو في أول رحلة خارجية. لكنها قد تضيق مجال حركته، وتضاعف الكلفة القانونية والدبلوماسية لاستقباله، وتمنح الضحايا مساراً إضافياً لحفظ الأدلة ومراكمة الضغط. وقد يكون أثرها الأهم أنها تمنع عودة الملف إلى نقطة الصفر كلما تغيرت الحكومات أو تراجعت التغطية الإعلامية.
العدالة لا تبدأ دائماً بصورة متهم مكبل اليدين، أحياناً تبدأ بأمر قضائي يبقى في الملف، وباسم ينتقل إلى قواعد التعاون الدولي، وبشهادة ضحية تتحول من خبر عابر إلى دليل محفوظ، وبدولة تجد نفسها مضطرة إلى تفسير سبب توقيف مسؤول أو سبب امتناعها عن توقيفه.
لهذا أرى أن السؤال المعرفي الأهم ليس: هل سيُعتقل نتنياهو غداً؟ بل: هل نجحت الخطوة في تحويل الاتهام السياسي إلى التزام قضائي قابل للاستمرار؟ إذا بُني الملف التركي على اختصاص واضح وأدلة متماسكة وتكييف قانوني منضبط، فقد يصبح جزءاً جدياً من حصار الإفلات من العقاب. أما إذا استُخدم للاستهلاك السياسي، فسيتراجع أثره بانتهاء اللحظة الإعلامية.
ومع ذلك، تبقى للخطوة دلالة لا ينبغي التقليل منها: إن موقع المسؤول، وقوة دولته، وشبكة حلفائه، قد تؤخر المساءلة وتعقدها، لكنها لا ينبغي أن تمنحه حصانة أخلاقية أو قانونية دائمة. وقد لا يكون القانون قد قبض على المتهم بعد، لكنه بدأ يضيق المسافة بين القرار السياسي والمسؤولية الجنائية.
