تواصل قوات الاحتلال شن حرب دينية موازية لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، مستهدفة بشكل ممنهج الأعيان المدنية والدينية وكل ما يتصل بالعبادات والمؤسسات الإسلامية والمسيحية، في إطار سياسة تهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية والروحية للشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية والدينية.
وتجلت هذه الحرب الدينية في تصعيد غير مسبوق لاستهداف المساجد ودور تحفيظ القرآن الكريم والجامعات، إلى جانب الملاحقة الميدانية للأئمة والدعاة وأساتذة الفقه والعقيدة والسيرة النبوية. إذ تعتمد قوات الاحتلال أساليب متعددة لإخراج هذه المنشآت من الخدمة، تتنوع بين الغارات الجوية بالقنابل الثقيلة، ونسف المبانٍ بالمتفجرات، والتدمير المباشر بواسطة الجرافات العسكرية.
ولم تتوقف هذه الاستهدافات حتى في الفترات التي تلت الإعلان عن وقف العمليات العسكرية أو دخول قرارات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حيث واصل الاحتلال غاراته لتدمير ما تبقى من البنية التحتية الدينية. وكان من أحدث هذه الاعتداءات تدمير مسجد "المتقين" في مدينة غزة، والذي انضم إلى قائمة طويلة من المساجد المستهدفة حديثاً، من بينها مسجد "حسن البنا" في حي الزيتون، ومسجد "الهدى" في خان يونس، ومسجد "الفاروق" في مخيم النصيرات.
وأدت الاعتداءات المتواصلة إلى تحويل مسجدين كانا مصنفين سابقاً ضمن الأضرار الجزئية إلى هدم كلي، ليرتفع بذلك عدد المساجد المهدمة كلياً في القطاع إلى 1076 مسجداً من أصل 1275 مسجداً كانت قائمة قبل اندلاع العدوان. وفي المقابل، بلغ عدد المساجد المتضررة جزئياً 165 مسجداً، فيما لم يسلم في القطاع بأكمله سوى 34 مسجداً تتخللها أضرار بسيطة جداً، وهو ما يؤكد وجود مخطط لإنهاء الوجود العمراني الديني ومسح الأعيان المعنوية والخدماتية التي تقدمها تلك المراكز للمجتمع.
وفي مسار موازٍ لا يقل خطورة، اغتال الاحتلال مئات الشخصيات الدينية والفكرية البارزة، حيث أسفرت الهجمات عن استشهاد أكثر من 250 من خطباء وأئمة المساجد والدعاة ورجال الدين المسلمين، بالإضافة إلى 20 مسيحياً. ويهدف هذا الاستهداف المباشر للرموز المجتمعية إلى إحداث فراغ فكري وثقافي وشل القدرة على التعبئة المعنوية والمجتمعية التي تقوم عليها هذه الكوادر.
ومن بين أبرز الشخصيات التي جرى اغتيالها خلال هذه الحملة، الشيخ يوسف سلامة، وزير الأوقاف وخطيب المسجد الأقصى سابقاً، الذي استشهد في غارة استهدفت منزله بمخيم المغازي. كما استشهد الداعية وائل الزرد متأثراً بجراحه عقب قصف منزله في مدينة غزة، والداعية وليد عويضة، المدير العام للتحفيظ بوزارة الأوقاف وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إثر قصف إسرائيلي طال منزله في حي الصبرة.
وأمام هذا التدمير الشامل، لَجَأَ المواطنون والجهات المحلية إلى ابتكار بدائل مؤقتة لإقامة الشعائر الدينية، حيث أقيمت مئات المصليات والمساجد البديلة باستخدام الخيام وقطع القماش والنايلون والشوادر فوق أنقاض المساجد المدمرة وفي مخيمات النزوح، حيث واصل النازحون أداء الصلوات الجماعية في أوقاتها دون انقطاع، في رسالة تعكس إصراراً على الصمود والتمسك بالهوية رغم وطأة العدوان.
وتشكل هذه الممارسات المتواصلة خرقاً صريحاً وقاسياً لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف دور العبادة والرجال الدين والأعيان المدنية، وتصنف هذه الأفعال ضمن جرائم الحرب والاضطهاد الديني وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
