الكاتب: سيف الدين موعد
الحديث عن ما يسمى بالمشتركات الإبراهيمية في سياق الصراع مع الصهيونية، يقوم ابتداء على افتراض يحيل أصل الصراع مع الصهيونية إلى علاقة الأديان السماوية الثلاث بعضها ببعض، ويقرر ان الاعتراف المتبادل يشكل مدخلاً إلى السلام والتطبيع مع القوة القائمة بالاحتلال.
هذا الافتراض، يتورط في توصيف زائف لقضية سياسية تاريخية تشكلت عبر الاستعمار والاقتلاع والاستيطان واختلال موازين القوة، بحيث ننقل النقاش إلى إطار آخر تحكمه مقولات العقيدة والحوار بين الأديان. لذا أعتبر الإطار المؤسس لهذا النقاش إطارا فاسداً للاستدلال، لأن النتيجة ستظل محكومة بصحة المقدمة التي انبنت عليها.
فتفسير رفض الفلسطيني أو العربي او المسلم للمشروع الصهيوني باعتباره موقفاً عقدياً من اليهودي بسبب يهوديته يزيف طبيعة الصراع، فضلا عن مخالفته للتجربة التاريخية التي عاشت فيها جماعات يهودية قروناً داخل المجتمعات الإسلامية بسلام.
إلى جانب ذلك، يتعامل الخطاب، الذي يسمي نفسه إبراهيمياً، مع المسلمين والمسيحيين واليهود كأنهم كتل متجانسة، لكل منها ماهية ثابتة وموقف موحد من الصراع ومن قضايا أخرى .. وهذا خلل منهجي لا يستقيم لأسباب كثيرة. فضلاً عن أن الخلط بين اليهودية والصهيونية و"إسرائيل"، والتعامل معها بوصفها وحدة واحدة، سيؤدي إلى اعتبار نقد المشروع الصهيوني مساوياً لنقد أتباع الديانة اليهودية، بمعزل عن اختلاف مواقفهم وأفعالهم، وهذا غير صحيح أيضاً.
ضمن هذا الترتيب، يؤدي ما يسمى بالمشروع الإبراهيمي وظيفة سياسية تتجاوز النقاش العقدي، فهو ينقل مركز المساءلة من المشروع الاستيطاني الإبادي التوسعي، إلى العرب والمسلمين الذين يصبحون مطالبين بإثبات أهليتهم الأخلاقية من خلال قبول التطبيع مع المغتصب للأرض والتسليم بنتائج القوة، وإلا ألصقت بهم تهمة التعصب والعجز عن الاعتراف بالآخر.
هناك فرق كبير بين الاعتراف العقدي والاعتراف الأخلاقي الإنساني والاعتراف السياسي، والخلط بين هذه المستويات الثلاث سيجعل احترام اليهودي في إنسانيته ودينه مساويا لقبول المشروع الصهيوني الذي أقيم باسم اليهود في فلسطين، ومساوياً لقبول الاطماع التوسعية والعدوان الذي يشمل كل المنطقة.
وبالعودة إلى مسألة الاعتراف، فمن المسلم به أن الإسلام يعترف برسالة موسى وعيسى عليهما السلام وسائر الرسالات السابقة داخل بنيته العقدية المخصوصة، من دون أن يزكي التحريفات اللاحقة التي طرأت عليها. وفي الجهة المقابلة، لا يوجد أثر مماثل لهذا الاعتراف لدى اتباع اليهودية والمسيحية، لأنهم لا يعترفون بالوحي ولا يقبلون المرجعية التي صدر عنها. لكن هذا الاختلال لا يلغي قيمة الاعتراف الإسلامي، إذ يحتفظ بقيمته العقدية والأخلاقية داخل نسقه، ويؤثر في معاملة المخالف وصيانة حقوقه وفق ما تقرره المرجعية الإسلامية، من دون أن يتحول إلى علاقة عقدية متبادلة او ينتج أثراً سياسياً يفضي الى التسليم باي حقوق تاريخية مدعاة.
لذلك فالادعاء بقدرة ما يسمى بالإبراهيمية على إنشاء فضاء مشترك بين مرجعيات مختلفة من خلال الاعتراف المتبادل ادعاء زائف، لأن أي اعتراف متخيل يكشف قصوره عن أداء الوظيفة السياسية التي يحاول هذا لمشروع إلصاقها به، ما يعني تحميل المفهوم زوراً نتائج تفضي الى الاعتراف بـ"إسرائيل" الذي سيؤدي بالضرورة الى نفي الاعتراف بفلسطين وبحق الفلسطينيين في الوجود على ارضهم، بل وبحق المسلمين في استرداد مقدساتهم المغصوبة ووقف عملية التهويد الممنهج لها.
