Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v

هل يفجر هرمز الحرب في المنطقة من جديد؟

فلسطين اليوم

الكاتب: سيف الدين موعد 

أوقف ترامب الحرب على إيران عندما تيقن أن كلفتها الاقتصادية أصبحت أكبر من أي نتائج متوقعة في الميدان، وهو ما عبر عنه لاحقاً في معرض تبريره لقبول ورقة الإطار، إذ تحدث بصراحة عن دوافعه التي انطلقت من خشية جدية من كارثة اقتصادية أو كساد دولي قد يتسبب به استمرار إغلاق مضيق هرمز. وهذا ما يتقاطع أيضا مع كلام نائبه جي دي فانس، الذي قال إن الإدارة استخدمت المذكرة لإعادة ضخ النفط في الاقتصاد العالمي، وملء المخزونات ثم تقدير الموقف وما تسمح به الأوراق المتاحة.

وفق هذا المنطق، فإن وقف الحرب على إيران، ومن ثم توقيع ورقة التفاهم، لا يعدو كونه مهلة لتنفيس الأسواق وتجنيب واشنطن حربا مفتوحة يصعب ضبط حدودها وآثارها.

وهذا يعني أن ورقة الإطار حققت غرضها العاجل، غير أن مضمونها أثار اعتراضات واسعة وضغوط على إدارة ترامب من داخل النخبة الأميركية، بل اعتبره البعض اعترافاً أميركياً بالفشل والهزيمة، لأن إيران حصلت على مكاسب فورية، بينما بقيت القضايا الأساسية التي تهم الولايات المتحدة و"إسرائيل" معلقة على مفاوضات لاحقة.

ربما من أهم المكاسب التي خرجت بها إيران من الحرب، قدرتها على تعطيل المضيق وإجبار الولايات المتحدة على التراجع، ومن هذه النقطة تحديداً انفجر الخلاف مجددا، فإيران ترى أن الاتفاق يسمح لها بالتحكم بالمضيق وفق الترتيبات التي تحددها، وهو ما ترفضه واشنطن، وتتعامل معه كاختبارا لقدرتها على إثبات أنها صاحبة اليد العليا في الخليج.

لهذا استؤنفت المواجهة مجدداً، لكنها لم تصل بعد إلى عتبة الحرب الشاملة، لأن الهدف غير المعلن للإدارة الأميركية يتعلق بتغيير شروط ورقة الإطار قبل استكمال التفاوض، فترامب يريد العودة إلى الطاولة بعد فتح المضيق بالقوة أو بالضغوط القصوى، بحيث تدخل إيران المفاوضات النووية وقد فقدت أهم الأوراق التي اكتسبتها في الحرب.

في المقابل، تسعى إيران إلى تثبيت نتيجة الجولة السابقة، فقد استوعبت الضربات القاسية، واستطاعت إبقاء هرمز تحت التهديد، ولولا هذا الامر، لما تمكنت من إجبار الولايات المتحدة على وقف الحرب أو انتزاع مسار لرفع العقوبات، فالتخلي عن هذه الورقة قبل الاتفاق النهائي يجعلها رهينة الوعود الأميركية، وهذا ما يفسر الإصرار الإيراني على المواجهة العسكرية في المضيق، التي وصفها بعض المسؤولين الإيرانيين بالحرب الوجودية.

لذلك يمكن وضع المواجهة الحالية في إطار التفاوض بالنار، مع انحسار هامش الوقت المتاح لترامب، الذي يحتاج إلى نتيجة سريعة قبل انتخابات الكونغرس، لأن الحرب الشاملة لإسقاط إيران أو احتلالها غير ممكنة من دون حرب طويلة تتجاوز قدرته السياسية والاقتصادية على الاحتمال؛ ولهذا يزاوج بين المواجهة العسكرية المحدودة واستمرار التفاوض، وهو ما عبر عنه فانس مؤخرا بقوله إن الإدارة ستواصل الحوار ولا تنوي الاكتفاء بموجات متصلة من الضربات.

من جهتها، تتعامل "إسرائيل" مع أي اتفاق من زاوية مختلفة، فإذا استطاعت إيران الوصول إلى أموالها المجمدة والتخفف من العقوبات، فإنها ستبقى قادرة على التعافي الاقتصادي وامتصاص أي أزمات داخلية، كما ستمكنها هذه المكاسب من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية وتمويل حلفائها؛ لذلك تضغط حكومة نتنياهو باتجاه اتفاق يجرد إيران من قدراتها كاملة، وتتمسك بالمناطق المحتلة وبحرية عملياتها في لبنان، وهذا الأمر قد يقوض التفاهم الأميركي الإيراني، فطهران تربط التزامها به بوقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان، ولاحقا بالانسحاب من المناطق المحتلة. ومن هنا ينشأ التباين في الأولويات بين الإدارة الأميركية و"إسرائيل" حول سقف الحرب وتوقيتها وأهدافها، مع بقاء الغاية المشتركة المتعلقة بإضعاف إيران.

أما دول الخليج، فهي الحلقة الأضعف في هذا الصراع، فمن جهة تواجه تحدي تعطل الملاحة ومنشآت الطاقة، ومن جهة أخرى تقع مباشرة في مدى الرد الإيراني. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط، فإنها لا تستطيع تعويض خسائرها بسبب ارتفاع كلفة التأمين وتعطل الشحن، وارتفاع المخاطرة في اي استثمار في ضوء احتمال اتساع الحرب. ولهذا تدفع الدول الخليجية نحو تسوية تنهي الحرب في أسرع وقت ممكن.

وبخصوص تداعيات التصعيد على الاقتصاد العالمي، فقد أدى تجدد المواجهة إلى صدمة فعلية تسببت في ارتفاع أسعار النفط بقوة، مع ازدياد المخاوف من إغلاق البحر الأحمر، بما قد يوسع الأزمة لتتجاوز أسعار الوقود إلى الشحن والغذاء والتضخم وأسعار الفائدة، وهو السيناريو الذي دفع ترامب سابقا إلى وقف الحرب.

قد يكون المسار الأقرب لتطور هذه المواجهة هو استمرار التفاوض بالنار، فقد تتصاعد الضربات، وقد تهدأ لاحقا إذا اقترب الطرفان من صيغة مقبولة لديهما. لكن في غضون ذلك، سيستمر ترامب في محاولاته لتعديل ورقة الاطار بما يضمن فتح هرمز قبل تقديم أي مكاسب اقتصادية لإيران، بينما ستصر إيران على التزام متبادل ومتزامن يحافظ على سيطرتها على أمن المضيق، ويضمن لها عدم تفلت واشنطن من أي تعهدات، ويمنع استئناف الحرب لاحقا، سواء بعد الانتخابات أو بعد تنفيس الضغط عن الأسواق.

وفي حال أصرت واشنطن على تجريد إيران تماما من ورقة المضيق، فقد تتجه المنطقة كلها إلى حرب جديدة لا يمكن التنبؤ بنتائجها ومآلاتها.