الكاتب؛ سيف الدين موعد
الكلام الذي أثير عن طلب السلطة الفلسطينية من جنوب أفريقيا وقف الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل بشأن الإبادة في غزة، والجدل القائم حول موافقة الدولة اللبنانية على البند 13 من اتفاق الإطار الذي يقيد حركة لبنان السياسية والقانونية ضد إسرائيل في المحافل الدولية، يضعاننا أمام سؤال مهم: إلى أي مدى يمكن لسلطة واقعة تحت الضغط أن تذهب بعيدا في إدارة السياسة من داخل حساب الخوف والتبعية العمياء لسلطة الغالب؟ وكيف يمكن لهذا النهج أن يحول السلطة تدريجيا إلى جزء من بنية الاستعمار بمفهومه الواسع؟الأحكام السياسية نسبية بطبيعتها، غير أن الجامع بين الصورتين أن "إسرائيل"، وهي في ذروة الجريمة، تفكر بعقل واثق بأن من يدعي تمثيل الضحية لديه الاستعداد والقابلية للمساعدة على محو آثار الجريمة، أو التخفيف من كلفتها السياسية والرمزية على الأقل. هذا الأمر يتجاوز كلام التنازل والتفريط في الحقوق وتجريم المقاومة إلى مساحة أشد عرياً، اذ اننا امام ظاهرة فريدة، تطالب فيه الضحية اعانة القاتل على الإفلات من جريمته بأقل خسارة ممكنة.
تستحضرني في هذا السياق فكرة فرانتز فانون حول علاقة السلطة بالسيد المستعمر، والدور الذي تؤديه بعض النخب التي تحمل أسماء وطنية وتتكلم بلسان الشعب، بينما تتولى ترجمة حاجات المستعمر إلى لغة يفهمها الناس ويتقبلونها، فالضغط الخارجي لا يفسر كل شيء مهما عظم حجمه، نحن أمام قابلية داخلية تجعل بعض النخب قادرة على استقبال هذا الضغط وتدويره داخل خطاب وطني ظاهره التعقل وباطنه حماية بنية الظلم والعدوان.
"إسرائيل" تخوض معركة ما بعد الجريمة بالتوازي مع الجريمة نفسها، رغم علمها أن أدوات العدالة محدودة الأثر في ظل موازين القوة المختلة، لكنها تدرك، في الوقت ذاته، أن ملاحقة المجرم واتهامه قانونياً يراكمان أثراً سياسيا لا يمكن محوه بسهولة.
من هنا يصبح السؤال عن معنى التمثيل وممارسة السياسة باسم الناس ضرورياً: فأي قيمة تبقى لسلطة تتحدث باسم شعبها بينما تقدم ضمانات لمن يقصفه بأطنان المتفجرات بعدم ملاحقته أو الإضرار بصورته؟ هل يمكن تفسير هذا السلوك بمتلازمة ستوكهولم، وهل يكفي أن نقول إن المسألة علاقة نفسية مضطربة بين ضحية وجلاد؟ أم أننا أمام سلطة تشكلت داخل شروط الغالب، وترى في رضاه شرطاً لبقائها، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الشعب ومصالحه الوطنية العليا ؟
