Menu
فلسطين - غزة °25 °17
تردد القناة 10873 v

اتفاق "فصل المسارات": هل تنجح واشنطن و"تل أبيب" في تفكيك "وحدة الساحات" عبر البوابة اللبنانية؟

فلسطين اليوم

الكاتب: د. القسام الزعانين 

لم يكن الإعلان عن "الاتفاق الإطاري" والترتيبات الأمنية المقترحة في جنوب لبنان مجرد حدث سياسي دبلوماسي موضعي يهدف إلى إسكات المدافع على طرفي الحدود؛ بل جاء كإعلان صريح عن بدء جولة جديدة من الصراع الجيوسياسي العنيف في المنطقة، فهذا التطور الذي تتداخل فيه لغة الدبلوماسية بصرير السلاح، يضع المنطقة أمام تساؤل بنيوي: هل نجحت "إسرائيل"، ومن خلفها الولايات المتحدة، في توجيه ضربة قاضية لاستراتيجية "وحدة الساحات" التي شكلت لسنوات عموداً فقرياً لمحور المقاومة، أم أننا أمام "هدنة قلقة" تُخفي في أحشائها بذور جولة قادمة؟

لا يمكن فهم التصلب الإسرائيلي المفاجئ، المتمثل في تصريحات وزير الحرب يسرائيل كاتس حول حتمية "بقاء طويل" لجيشه في الجنوب، أو الرفض القاطع والشرس من الثنائي الوطني (حزب الله وحركة أمل) لبنود الآلية الأمنية، دون النظر إلى ما يدور في الغرف المغلقة بين واشنطن وطهران، حيث تكشف القراءة المتقاطعة للمسارات الدبلوماسية أن إيران سعت، عبر قنواتها التفاوضية مع الإدارة الأميركية، إلى فرض جبهة لبنان كبند أصيل ومتلازم ضمن "مذكرة التفاهم ذات البنود الـ 14"، فقد كانت الرؤية الإيرانية واضحة: الاستقرار الإقليمي حزمة واحدة، ووقف النار في لبنان هو المدخل الإلزامي لأي تهدئة كبرى تشمل ملفات الطاقة والعقوبات.

في المقابل اندفعت واشنطن و"تل أبيب" نحو استراتيجية مضادة قوامها "فصل المسارات"؛ بحيث يتم عزل الملف اللبناني كلياً عن أي ترابط مع الجبهات أو الساحات الإقليمية الأخرى، وحصر التفاوض مع طهران في مساراتها الذاتية (النووي والاقتصادي)، بما يضع الجانب اللبناني تحت ضغط عسكري وميداني منفصل.

فعندما يتم فحص فرضية "نجاح إسرائيل في سحب بساط وحدة الساحات من تحت أقدام إيران"، نجد أنفسنا أمام مستويين متناقضين:

*المستوى القانوني والدبلوماسي: فمن الناحية النظرية، يمثل نص الاتفاق الإطاري كسباً سياسياً للمحور الأميركي-الإسرائيلي. فالالتزام بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتفكيك البنى العسكرية غير الرسمية جنوب الليطاني، يعيد رسم الحدود كـ "جبهة معزولة" لا رابط بينها وبين طهران أو غزة أو صنعاء أو بغداد. 

*المستوى الاستراتيجي والميداني: وهنا يكمن العجز الإسرائيلي؛ فالاتفاقات في المنطقة لا تُقاس بجمالية صياغتها بل بقدرتها على النفاذ في الأرض، حيث إن الفيتو الحاسم الذي رفعه حزب الله وحركة أمل ضد "آليات التحقق" والملحق الأمني السري، يعني ببساطة أن التفاهم وُلد فاقداً لآليات الحياة، فطالما أن البنية التحتية للمقاومة حاضرة في نسيج المجتمع اللبناني، فإن "سحب البساط" يظل طموحاً دفترياً متعذراً.

إنّ المشهد الراهن يعيد بمرارة إنتاج ظروف "اتفاق 17 أيار" عام 1983، عندما حاولت تل أبيب فرض ترتيبات أمنية وسيادية تحت وطأة النار، فجاء الرد الشعبي والسياسي كاسحاً حتى أُسقط الاتفاق.

إن إسقاط إشكالية "الاتفاق الإطاري" الحالي على لحظة 17 أيار 1983 ليس مجرد استدعاء عاطفي للتاريخ، بل هو تفكيك لبنية العقل الاستراتيجي الإسرائيلي والأميركي الذي يحاول دائماً تحويل "الفائض العسكري الميداني" إلى "مكاسب سياسية وسيادية دائمة"،

ففي عام 1983، اعتقدت "تل أبيب" أن اجتياحها لبيروت، وحصارها للمقاومة، واختلال ميزان القوى الداخلي، قد نضج بما فيه الكفاية لفرض شروط إذعان على الدولة اللبنانية، ونص ذلك الاتفاق حينها على:

إنهاء حالة الحرب بين الدولتين.

إلغاء مفاعيل اتفاقية الهدنة لعام 1949.

إنشاء "منطقة أمنية" في الجنوب تدار بترتيبات مشتركة تُشرف عليها لجان إسرائيلية-لبنانية-أميركية، مما شرعن عملياً التدخل الإسرائيلي الدائم ومسّ بالسيادة الوطنية في الصميم.

اليوم، تتكرر الهندسة السياسية ذاتها بملامح معاصرة؛ حيث يسعى "الاتفاق الإطاري" الحالي، عبر بنود "آليات التحقق" المستحدثة و"مجموعة التنسيق العسكري" ذات الطابع الدولي والأميركي، إلى استنساخ الجوهر ذاته: شرعنة الشروط الأمنية للاحتلال، ومنحه "حق التدخل" تحت ذريعة منع إعادة التسلح، وربط الانسحاب الكامل بوقائع ميدانية يحددها الاحتلال نفسه، وفصل مسار بيروت عن طهران والساحات الأخرى.

تكمن العبرة الفلسفية في "17 أيار" في كيفية سقوط الخيارات الدفترية أمام الواقع الشعبي والميداني، فبينما كانت نصوص الاتفاق تحظى بمصادقة البرلمان اللبناني وبتصفيق الإدارة الأميركية، وُلد الاتفاق ميتاً على الأرض، فقد تشكلت حينها جبهة رفض وطنية كاسحة قادتها حركة أمل والقوى الوطنية والقومية، مدعومة بعمق استراتيجي من دمشق وطهران، وتُرجم هذا الرفض بانتفاضة 6 شباط 1984 العسكرية في بيروت، وتصاعد العمليات النوعية للمقاومة، مما اضطر الحكومة اللبنانية في مارس/آذار 1984 إلى إعلان إلغاء الاتفاق رسمياً وبشكل غير مشروط.

هذه التجربة التاريخية تفسر اليوم سرعة وحدة الموقف وحسمه لدى "الثنائي الوطني" (حزب الله وحركة أمل) في رفع الفيتو ضد الاتفاق الحالي، فالذاكرة السياسية في بيروت تدرك تماماً أن قبول "الملاحق الأمنية السرية" أو "منح حرية الحركة" للجيش الإسرائيلي، حتى لو جاء تحت مسمى "مرحلة انتقالية" أو "مناطق تجريبية"، هو انزلاق نحو صيغة "17 أيار" جديدة تُفرغ مفهوم السيادة من معناه.

إن الاتفاق الإطاري الحالي ليس خاتمة المطاف، بل هو منصة اشتباك جديدة بآليات دبلوماسية، لقد أرادت "إسرائيل" تحويل ما تسميه" الإنجاز العسكري التكتيكي " إلى واقع استراتيجي يفصل لبنان عن محيطه الإقليمي، لكن العناد الميداني والتمسك الإيراني بأوراق القوة الإقليمية يشي بأن "وحدة الساحات" لن تنحني أمام العاصفة العابرة، باعتبار أنّ تمرير هذا الإتفاق يُعتبر هزيمة وانكساراً استراتيجياً.

المفارقة هنا أن "إسرائيل" ورغم مرور أكثر من أربعين عاماً، لا تزال تقع في "الوهم البنيوي" ذاته وهو الاعتقاد بأن تدمير البنى التحتية وفصل جبهات المساندة الإقليمية يمكن أن يُرغم القوى الحية على توقيع صكوك التنازل عن السيادة، متناسية أن الاتفاقات التي تُكتب بحبر الإكراه، تُمحى دائماً بدم المقاومة وعناد الأرض.

إنّ هذا الاتفاق الذي صُمم أميركياً لتلبية الهواجس الأمنية الإسرائيلية بالدرجة الأولى، وهو ما يفسر استحالة قبوله من قوى المقاومة في لبنان، ويجعل من تطبيقه الفعلي على الأرض أشبه بالسير في حقل ألغام سياسي.