الكاتب : سيف الدين موعد
المثقف الخائن مصطلح نحته المفكر والروائي الفرنسي جوليان بندا في سياق التجربة الأوروبية، ثم تطور هذا المفهوم على يد المفكر والطبيب النفسي المناهض للاستعمار فرانتز فانون، الذي عرف أيضا باسم إبراهيم عمر فانون أثناء التحاقه بالثورة الجزائرية، من خلال الإضاءة على علاقة الاستلاب التي تربط الخاضع للاستعمار بالقوة المستعمرة. ولاحقا أعاد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد تفكيك هذه الظاهرة، وانتقل بها إلى مجال الصناعة الأكاديمية والإعلامية وعلاقتهما بالسلطة والاستبداد والاحتلال، ووضعها في إطار العبودية الفكرية والطاعة التي تعطل العقل النقدي.
ربما لو عاش هؤلاء المفكرون في هذا الزمن المضطرب لأعادوا النظر في حدود هذا المفهوم، لأن المسألة صارت أوسع من خيانة المثقفين بالمعنى القديم. في الماضي كان المثقف، كي يثبت جدارته، يمر عبر مسار طويل من الإنتاج المعرفي، وحضور الموقف، والتأثير في النقاش العام، ثم تأتي لاحقا لحظة محاكمته أخلاقيا ومعرفيا عندما يتحول عن وظيفته الأصلية أو يضع رأسماله المعرفي في خدمة القوة أو السلطة.
أما اليوم فقد ظهر فضاء كامل يصنع أشباه المثقفين، ويصدرهم إلى المجال العام ويمنحهم هيبة الخبرة، كي يمارسوا نوعا من الاستبداد المعرفي على المتابعين. وكثير من هؤلاء ينتحلون صفة خبير ومحلل وباحث وكاتب ومفكر، من دون أن يمروا باختبار المعرفة أو الجدارة، ورصيدهم الوحيد هو في براعتهم في إعادة تشكيل الغريزة الأخلاقية للمجتمع، وإقناع الناس بالخضوع عبر قراءة الاحداث بلغة باردة تبدو واقعية وعقلانية، وكأنهم يريدون إنقاذ الناس من أوهامهم، بينما هي في حقيقتها لغة لتدريب الوعي على تقبل الظلم والقهر وتبرير القوة الغالبة، واتهام كل مقاومة لها بأنها تهور غير محسوب النتائج.
المشكل أن كثير من هؤلاء غارقون، من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، في الاستلاب المعرفي والانبهار الساذج بالغرب. يستعيرون مناهجه ولغته الأكاديمية وخطابه السياسي، ثم يسقطونه على مجتمعاتنا كأنه منطق كوني أو أدوات محايدة. فكيف يمكن لهذه الأدوات، التي نشأت في سياق غربي مخصوص، أن توفر قيمة تفسيرية لواقعنا من غير مساءلة أو إدراك لطبيعة الاختلافات الجوهرية في تصوراتنا عن الإنسان، والدين، والمجتمع، والأرض، والمقاومة، والسلطة، والتقدم..؟ وكيف يمكن لها أن تقدم إجابات عن الأسئلة التي تواجهنا، وهي لم تختبر تحولاتنا الاجتماعية، ولم تتطور داخل تجربتنا التاريخية الطويلة؟
إذن، فالخيانة في أحد وجوهها تكمن في التغريب والاستلاب الثقافي، عندما يردد هؤلاء مقولات الغرب، ويستعيرون عدساته التي يطلون من خلالها على آلامنا وجراحنا وغضبنا، فيحولونها إلى انفعال عاطفي سلبي، أو عجز عن فهم موازين القوى. هؤلاء يتكلمون بلغتنا، لكنهم يفكرون من خارج جراحنا. يحملون أسماءنا وقضايانا في مقالاتهم ومحاضراتهم ومداخلاتهم التلفزيونية، غير أن الميزان الذي يحتكمون إليه ليس ميزاننا، بل ميزان العالم المختل الذي يطلب منا أن نتنازل كي يُعترف لنا بقدر محدود من الوجود.
المستعمر والقوة المهيمنة يحتاجان إلى هذه اللغة المخادعة. فإذا وجد من أبناء جلدتنا من يؤدي هذه الوظيفة بلغة الثقافة، فقد حقق شكلا من السيطرة أنعم من القهر المباشر وأبقى أثراً منه. هذه اللغة تلوث آذاننا بالتزييف وتحوير الحقائق؛ لغة باتت تسمي الاحتلال والعدوان نزاعا أو تصعيدا، وتزين التبعية ونهب الثروات بكلمات معسولة عن الشراكة والاستثمار، وتبرر المجزرة بحجة الضرورات الأمنية، بينما تصور مقاومة الظلم كأنها مشكلة أخلاقية تعطل السلام.
ليس مطلوبا من المثقف أن يغير العالم وحده. وكما أن المثقف يخون ذاته وناسه عندما يجهد لإرضاء السلطة أو تقليد المستعمر وتبني منطقه، فإن الناس لا يحتاجون إلى مثقف شعبوي يمدح آلامهم أو يزين أوهامهم.
المثقف الحر والملتزم يجب أن يسأل نفسه دائما: لمن تعمل هذه اللغة التي أكتب أو أتحدث بها؟ هل تمنح الناس قدرة أعمق على الفهم والفعل، أم تدربهم على قبول الظلم والقهر والهيمنة؟ هل تجعلهم يرون أنفسهم من داخل حقهم وتجربتهم، أم تعيد تشكيلهم وفق الصورة التي تريدها القوة الغالبة؟
