Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

مؤتمر فتح: تكريس نهج التفريط والاقصاء

فلسطين اليوم

الكاتب: خالد بركات

لا يكترث الشعب الفلسطيني بانعقاد المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، ولا يعيره اهتمامًا يُذكر. فالحركة التي كانت يومًا العمود الفقري لحركة التحرر الفلسطينية، أصبحت اليوم أقرب إلى شركة قابضة وحزب سلطوي يمسك بالأمن والمال ويتحكم بمفاصل السلطة الفلسطينية في رام الله. حزب بلا روح ولا عقل سياسي، يتكئ في وجوده على قرار الاحتلال ودعم بعض الأنظمة الخليجية، وبخاصة السعودية، ودول التطبيع، وأجهزة استخبارية في واشنطن وتل أبيب. ولا نعرف حركة سياسية تنحدر أكثر مع كل “مؤتمر وطني” كما هو حال حركة “فتح”.

ينعقد “المؤتمر الوطني العام الثامن” في ظل صراع محموم بين مراكز القوى داخل الحركة، وفي لحظة تتزامن مع مرور 78 عامًا على الاقتلاع والتهجير، وفي وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية للتصفية والتذويب، بينما يواجه الشعب الفلسطيني حرب إبادة مفتوحة في قطاع غزة، وتصعيدًا استيطانيًا متسارعًا في الضفة الغربية والقدس، وقوانين عنصرية في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وتهميشًا مستمرًا للاجئين الفلسطينيين في الشتات.

يلتئم هذا الجمع في رام الله المحتلة بتصريح من الاحتلال وتحت سمعه وبصره، وهذه الحقيقة وحدها تكشف عمق الأزمة البنيوية الشاملة التي تعيشها القيادة الفلسطينية التقليدية، وتؤكد أن المسار السياسي القائم انتقل من حالة الانسداد والاستعصاء إلى هزيمة شاملة لطبقة المال المرتبطة بجماعة “السلام الاقتصادي” ووكلاء المصارف الإسرائيلية.

إن الانقسام داخل “فتح” ليس مجرد خلافات تنظيمية أو تباين في الاجتهادات كما يحاول البعض تسويقه، بل هو انعكاس لانهيار مشروع كامل تأسس على وهم “الدولة المستقلة” واتفاق أوسلو. وهذا مشروع طبقة فلسطينية مرتبطة بالاحتلال، استولت على المؤسسات الفلسطينية، وأمسكت بمفاتيح السجون وختم “المنظمة”، وأصبح دورها الوظيفي تكريس واقع الاحتلال وتأمين مصالحها وامتيازاتها.

فالحركة التي قادت يومًا “المشروع الوطني الفلسطيني” تحولت، بفعل هيمنة شريحة طفيلية وقيادة فردية وأجهزة بيروقراطية أمنية، إلى إطار مأزوم فاقد للشرعية والبوصلة الوطنية، ومنفصل عن نبض الشارع الفلسطيني وعن معركة التحرير الجارية على الأرض، بل ومنفصل حتى عن قواعد وجماهير حركة “فتح” نفسها. فالسؤال الشعبي الصارخ اليوم هو: أين الحركة في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لحرب إبادة؟

“فحركة تعجز عن تحقيق وحدتها الداخلية لن تكون قادرة على توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية وعموم الشعب الفلسطيني”

إن استمرار احتكار “القرار المستقل” داخل الحركة والسلطة ومنظمة التحرير، كرّس قيادة فردية حولت المؤسسات إلى هياكل شكلية، وأدى إلى إضعاف البنية التنظيمية، وتهميش الكوادر المناضلة، وإغلاق المجال أمام أي مراجعة حقيقية للمسار السياسي الكارثي. وبدل أن تكون “فتح” إطارًا للنضال الوطني، جرى تحويلها إلى أداة لإدارة الواقع القائم تحت سقف الاحتلال، بما في ذلك استمرار التنسيق الأمني وضرب الفعل الوطني المقاوم. فحركة تعجز عن تحقيق وحدتها الداخلية لن تكون قادرة على توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية وعموم الشعب الفلسطيني.

جاء مؤتمر رام الله ليعكس هذا الانحدار بوضوح. فبدل أن يكون محطة مراجعة جذرية في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الميدان الفلسطيني، بدا المؤتمر أقرب إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، ولكن وفق قواعد أسوأ من السابق، عبر منطق التوريث من جهة، وتجاهل الأسئلة الوطنية الكبرى من جهة أخرى.

فلا موقف واضح من حرب الإبادة في غزة، ولا مراجعة لمسار التسوية الفاشلة، ولا رؤية جدية لمواجهة الاستيطان الذي يلتهم ما تبقى من الأرض الفلسطينية، فيما جاءت مشاركة الشتات بائسة ورمزية، بعد أن قامت قيادة المنظمة بتهميش فلسطينيي الشتات، الذين يشكلون العمق التاريخي والديمغرافي والسياسي للقضية الفلسطينية، وإبعادهم عن أي دور فعلي في صياغة القرار الوطني، حتى بات هذا النهج يطال حركة “فتح” نفسها.

إن ما أظهره المؤتمر هو تعبير صارخ عن هزيمة القيادة التقليدية أمام الواقع الاستعماري الصهيوني، وفشلها في تقديم أي بديل سياسي أو استراتيجي قادر على مواجهة المرحلة. فبينما تخوض المقاومة في غزة والضفة معارك مصيرية، وتخوض الحركة الأسيرة معركة غير مسبوقة، تواصل القيادة الرسمية الارتهان والسقوط في مستنقع المكابرة والتبرير.

إن هذه الأزمة البنيوية لم تعد قابلة للترميم عبر إصلاحات شكلية أو تغييرات تنظيمية داخلية، بل تفرض إعادة نظر شاملة في بنية النظام السياسي الفلسطيني برمته. فاستمرار هذا النهج يعني تكريس حالة التفكك والضعف وإطالة عمر الاحتلال.

فهذه السلطة الفلسطينية القائمة لم تعد حتى “سلطة فتح”، بل سلطة طبقة تعمل وفق مزاج وبرنامج الاحتلال، ومن يتولى توجيهها من واشنطن والرياض وتل أبيب.

وعليه، تبرز الحاجة الملحة إلى البديل الثوري الذي يحمي المشروع التحرري الفلسطيني ويعيد بناء قواعده على أسس جديدة، تقوم على وحدة الشعب والأرض، وبناء جبهة وطنية موحدة تكون إطارًا كفاحيًا جامعًا يعبر عن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بعيدًا عن منطق التفرد والإقصاء.

إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض قطيعة واضحة مع نهج التسوية والتنسيق الأمني، والانحياز الكامل إلى خيار المقاومة الشاملة بوصفه الطريق الوحيد القادر على مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، واستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، على طريق التحرير والعودة.