Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

النكبة والجيل الجديد

فلسطين اليوم

الكاتب: أحمد الصباهي

بُعيد 15 أيار 1948، ابتدع المفكّر السوري قسطنطين زريق مصطلح «النكبة»، وأصبح عالمياً، وتتناقله الأجيال الفلسطينية منذ ذلك الوقت. ولدى عودتي إلى زريق، توقّفت كثيراً عند نص ضمّنه في كتابه «معنى النكبة» الصادر في آب 1948، كان قد ألقاه عبر محطة الإذاعة اللبنانية مساء 31 أيار 1948، وهو بعنوان: «لماذا نجاهد في فلسطين؟».

يقول بما يشبه التماس المستقبل بالعودة إلى التاريخ:

«إننا نجاهد لنردّ عن أنفسنا التهجّم والاعتداء، ولنحمي كياننا من هول التحكّم والاستعمار [...] فنحن إنما نجاهد بالدرجة الأولى دفعاً لاعتداء غادر علينا، ومحافظة على ذات وجودنا [...] إن القوى التي يملكها الصهيونيون في شتى أنحاء العالم كفيلة، إذا تسنَّى لها أن تستقر في فلسطين، بأن تهدد استقلال جميع البلاد العربية وتكون خطراً هائلاً ودائماً على حياتها» («نكبة 1948: أسبابها وسبل علاجها»، مجموعة من المؤلّفين، تقديم وليد الخالدي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2009، ص47).

وكأننا مع زريق، ندرك فلسفة ومفهوم «التاريخ يعيد نفسه». لقد كان زريق على حقّ تماماً، فبعد استقرار الصهاينة في فلسطين، بادروا إلى شنّ عدوان 1956 بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا على مصر، ولاحقاً في عام نكسة 1967 تمدّد الاحتلال في الضفة وغزة وسوريا ومصر، لتأتي حرب 1973 من غير أيّ نتائج جذرية سوى استعادة سيناء بعد مفاوضات وتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد» عام 1978، ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، ولم يتعلّم العرب شيئاً من تلك التجارب.

لم يتغيّر حال العرب منذ ذاك التاريخ، فلدى عودتي إلى كتاب عارف العارف، الذي نقل عن المناضل الفلسطيني قاسم الريماوي، مدير مكتب الحزب العربي بالقدس، وهو أحد قياديّي «الجهاد المقدّس»، وكان من القادة المقرّبين من المناضل الكبير عبد القادر الحسيني، يقول إنه بعد سقوط مدينة القسطل الفلسطينية بيد العصابات الصهيونية، حاول الحسيني طلب المدد من العرب: «مكث في الشام اثني عشر يوماً اتصل خلالها برجال الهيئة العربية العليا ورجال اللجنة العسكرية، وحاول عبثاً أن يقنعهم بأن يمدّوه ورجاله بالسلاح والعتاد، ولا سيما المدافع الرشاشة، إلا أنهم لم يلبّوا طلبه، كذلك لم ينجح في إقناع رجال الدول العربية الذين كانوا يومئذ في دمشق (30 آذار 1948)، وقد أراد أن يوسطهم بالأمر».

إلا أن عرب ذاك الزمان خذلوه، فنطق مقولته الشهيرة: «أنتم خائنون، أنتم مجرمون، سيسجّل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين، سأحتل القسطل، وسأموت أنا وجميع إخواني المجاهدين». وقال لرفيقه الريماوي: «هيا بنا نرجع إلى فلسطين كي نموت فيها الميتة التي وضعناها نصب أعيننا عندما نزلنا إلى ساحة الجهاد، هيا بنا لنستشهد أو ننتصر على الأعداء» («نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود: 1947-1949»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2013، ص 151-153). وكان في نتيجة معركة القسطل الشهيرة، استشهاد عبد القادر الحسيني ومن معه، بعد أن سجّلوا أروع البطولات.

كان زريق يوجّه كلامه للعرب، فلم تكن النكبة خاصة بفلسطين وحدها، بل إنها نكبة قومية. فالهزيمة العربية شكّلت إلهاماً لنحت مصطلح النكبة. وما أشبه اليوم بالأمس، وكأنّ زريق ينادي منذ عام 1948 وما من مجيب، فكيف به لو كان حياً، وشهد كلام نتنياهو عن مشروع «إسرائيل الكبرى»، والعرب يسمعون هذا الكلام بشكل شبه يومي منه ومن رجال حكومته المتطرفين، ويلمسون مفاعيله في لبنان وسوريا. وماذا لو شهد مشروع «الاتفاقات الإبراهيمية»، لربما ابتدع مصطلحاً آخر، أشدّ سوءاً من مصطلح «النكبة»، لا أجد مفردة تعبِّر عنه حالياً.

ومع ذلك يعيش الحسيني في كل فرد فلسطيني بأشكال مختلفة، في نيته التضحية وفي شعوره بالخذلان العربي. وبعد مرور 78 عاماً على مصطلح النكبة، نشأت أجيال جديدة، من الفلسطينيين، عايشت هذا التاريخ بمعانٍ مختلفة، فاللاجئ في غزة أو الضفة يخرج للتعبير عن انتمائه إلى فلسطين في هذا اليوم، في مواجهة الجندي الإسرائيلي، وهو يعاني الحرمان من العودة إلى أرضه، وهو لاجئ فيها، واحتمال اعتقاله أو قتله.

وتختلف حال اللاجئ الفلسطيني في لبنان وسوريا والأردن، فلديه مشاعر مختلفة، فهو لاجئ يعاني تحدّيات البلد المضيف، ويشعر بنقص وجوده كمواطن، بينما من المُفترض أن يتمتع بأبسط معايير حقوق الإنسان. وبذلك تضاف إليه تحدّيات نضالية أخرى، من أجل الحقوق المدنية، إلى جوار نضاله للحفاظ على حق العودة. هذا مع اختلاف الأوضاع من بلد لجوء إلى آخر؛ حيث يسجّل لبنان الحالة الأسوأ في التعامل القانوني مع اللاجئ الفلسطيني.

ورغم ذلك، ورغم التحدّيات أمام الأجيال الفلسطينية، فإن «طوفان الأقصى» غيّر المشهد في الجيل الجديد الذي انضم إليه أحرار العالم.

«طوفان الأقصى» يضيف جيلاً جديداً إلى النكبة

بقدر ما أحدث «طوفان الأقصى» من تحوّلات إقليمية، وربما دولية، إلا أن التغيّر الأساسي الذي أحدثه، أنه بسبب الفعل الإسرائيلي والإبادة ومحاولات تهجير الفلسطينيين، تنبّه جيل جديد من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين إلى ما يحدث، وفهموا ما فعلته العصابات الصهيونية بالشعب الفلسطيني في النكبة عام 1948. وهذا الذي أحدث الفارق، وهو ما كنا نحتاج إليه تماماً، أن يفهم العالم ما الذي تعنيه نكبة الشعب الفلسطيني كونها عملية تهجيرٍ وإبادةٍ جماعيَّيْن واستيطانٍ إحلالي، وأن الشعب الفلسطيني يواجه ويناضل، والأهم من كل ذلك أنها قضية تحرّر وطني وقضية عادلة.

يجزم المفكر إدوارد سعيد، بأنه ليس في وسع المرء فهم ما يحدث في فلسطين وطبيعة الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون، إلا إذا فهم ما جرى عام 1948، وعليه فإن سنة 1948 بالنسبة إلى سعيد، هي التاريخ الذي «بدأ فيه الفلسطينيون نضالهم من أجل الحرية وحق تقرير المصير، ولم يبدأ ذلك عام 1967 حين كان الأمر مجرد إتمام لعملية الغزو الإسرائيلي» («الثقافة والمقاومة»، إدوارد سعيد، دار الآداب، بيروت 2006، ص 41).

لقد ابتدع الجيل الجديد من الفلسطينين في غزة، مصطلحاً جديداً للنكبة، قوامه النضال والصمود إلى أبعد مدى، وما عاد باستطاعتنا كلاجئين فلسطينيين في الشتات، بعد هذه التضحيات ومواجهة التهجير في غزة، إلا أن ننظر إلى النكبة على أنها يجب أن تمثّل انطلاقة جديدة ليوم «التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني المستمر»، وأن النضال من أجل فلسطين، هو أنها قضية عادلة ومحقّة، ويجب التضحية من أجلها.

ربما كفلسطينيين، لم يضف إلينا هذا البعد شيئاً جذرياً لأننا نعيش به ومن خلاله، إلا أن الجيل الجديد في الغرب، بدأ يدرك من خلال «طوفان الأقصى» المعاني الحقيقية لمعنى النكبة، من التمسّك بالأرض، ونيل الحرية، والخلاص من الاحتلال، وهو وما أشار إليه الدكتور عزمي بشارة، في كتابه، وهو ملهم في هذا الاتجاه، أن «القضية الفلسطينية قضية عادلة، وكذلك الحق في مقاومة الاحتلال، ويمكن بل يجب الدفاع عنها أخلاقياً.

وما انتشار ظاهرة الشباب المؤيد للقضية والمتضامن مع سكان قطاع غزة، ضد همجية العدوان الإسرائيلي إلا دليل على ذلك، فالحديث هو عن جيل أخلاقي [...] يحرّكه التعاطف مع قضايا الظلم، مثلما تحرّكه قضايا البيئة والتمييز العنصري وغيرها من القضايا العادلة» («الطوفان، الحرب على فلسطين في غزة»، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024، ص 127).

لقد تركت غزة في الجيل الجديد، وهو ما نلمسه في أعيُن اللاجئين الفلسطينيين، معانيَ جديدة، فلقد حضر الأطفال وفي مخيّلتهم أطفال غزة، إلى جانب خريطة فلسطين التي يرفعونها بأيديهم، وحضرت صور القادة الشهداء في أذهان الشباب وهم يهتفون بحق العودة، ولربما لو سمحت الظروف خارج إطار القمع في الدول العربية لرأينا مشهداً آخر، فالنكبة وإن كانت مستمرة، إلا أنها تحوّلت إلى محطة للانطلاق من جديد.