الكاتب: سيف الدين موعد
حين يقرأ المشهد العربي في تعاطيه مع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، ومع العدوان المتزامن على لبنان، من داخل اللغة اليومية لطيف واسع من وسائل الإعلام، يبدو الأمر كأن المنطقة تواجه أزمتين منفصلتين: أزمة مع إيران بسبب سياساتها وبرنامجها النووي وتمدد "أذرعها"، وأزمة في لبنان بسبب "السلاح" و"اختطاف الدولة" و"توريط البلد في حروب الآخرين".
هذه القراءة لا تنتج فهما للواقع، بقدر ما تعيد تدويره داخل قوالب جاهزة صيغت سلفا لتمنع الوعي العربي من إدراك ما يجري حوله بشكل حقيقي وموضوعي.
المعضلة الأولى في الخطاب الإعلامي السائد، الذي يعكسه عدد غير قليل من المحللين والباحثين والمعلقين، أنه يصر على تجزئة ما لا يفهم إلا ككتلة واحدة. فالمنطقة، وفق هذا الخطاب، ليست مجالا تاريخيا واحدا بعمق جغرافي وثقافي ومصيري متداخل، بل ملفات متجاورة بخصوصيات متباعدة.
هذا الأسلوب في النظر ليس بريئا، لأنه ينزع عن الصراع بنيته ويشوه طبيعته، فالتاريخ لا يعمل بهذه الطريقة، والاستعمار نفسه لم يشتغل يوما داخل هذا النسق المزيف. فالقوى الإمبريالية لا تصنع سياساتها انطلاقا من التحليلات الرغائبية التي تعج بها غالبية الشاشات العربية ليل نهار، وإنما تتحرك وفق إستراتيجية واضحة تطبق على الخرائط وتفككها من الداخل.
هي لا ترى إيران منفصلة عن الخليج، ولا الخليج منفصلا عن هرمز وباب المندب، ولا ترى في لبنان جبهة معزولة عن جبهة فلسطين. صحيح أن لكل من تركيا وباكستان ومصر مشكلاته الخاصة، لكن ليس بالضرورة أن ترى كذلك من منظور هذه القوى الإمبريالية، التي ترى قوسا جيوسياسيا واسعا يجب ضبطه ومنع أي تماسك عضوي داخله.
ولذلك فإن قصر نظر هذه النخب أكثر من مجرد ضعف في التحليل، إنما هو نتيجة بنية فكرية وسياسية أصابها العطب، فصارت تستبطن منطق التفتيت، بل وترى المنطقة بعيون أعدائها.
من هنا تأتي ضرورة إعادة تعريف الحرب نفسها. فالعدوان على إيران لا يقف عندها وإنما يتعداها، كما أن العدوان على لبنان ليس مجرد عقاب للبنان أو مواجهة مع حزب الله. نحن أمام حلقة متقدمة من مشروع أوسع هدفه كسر أي قابلية في الإقليم لتشكيل توازن مستقل عن الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية.
حين تضرب إيران، فإن المقصود لا يقتصر على برنامجها النووي أو ترسانتها الصاروخية، بل يتصل قبل ذلك وبعده بمنع تشكل مركز إقليمي كبير ومستقل يمتلك قدرة على الردع وعلى تعطيل الانفراد الإسرائيلي بالمنطقة.
وحتى عملية الاستنزاف الوحشية التي يتعرض لها لبنان، أبعد من حزب الله ومتصلة بالضرورة بكسر إحدى حلقات المقاومة المتقدمة في وجه "إسرائيل"، وإعادة صوغ الداخل اللبناني بما يجعله أكثر قابلية للترويض السياسي تحت ضغط النار.
وحين يدخل الخليج في المشهد فذلك يعني أن الحرب تجاوزت حدودها الظاهرة إلى المساس بالبنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة كلها، بما يؤكد أننا لسنا أمام عملية عسكرية موضعية، بل أمام اهتزاز إستراتيجي واسع الأثر.
*لكن أين يقف المشهد السياسي والإعلامي العربي من هذا كله؟
إن قسما واسعا من النخب السياسية والفكرية والإعلامية، لم يتعامل مع الحرب باعتبارها اختبارا تاريخيا لطبيعة النظام الإقليمي، وإنما سارع في إعادة إنتاج الخطاب القديم نفسه بعبارات جديدة، من خلال الإصرار على أن إيران هي المشكلة، وأن سلاح المقاومة هو العقدة والمقوض لسيادة الدولة، وأن "الاستقرار" و"الواقعية" تقتضي تجنب "المغامرات".
هذه المفردات التي تشكل مرجعية تفسيرية للتحليل والفهم، ليست إلا أدوات للتمويه والتضليل، حيث يتم حرف المتلقي والمتابع عن المعتدي إلى المعتدى عليه، وبدل مساءلة مشروع الهيمنة والسيطرة الذي يستهدف المنطقة كلها، تتم محاكمة ردود الفعل عليه، وعوضا عن تسليط الضوء على خطورة منظومة الاستعمار على استقرار الإقليم، يتم تضخيم الأخطاء المحلية وتقديمها كسبب أول ونهائي لكل خراب.
وهكذا يعاد ترتيب الوعي العربي بحيث تبدو "إسرائيل" كأنها عامل خارجي قوي يمكن تفهم سلوكها، بينما يبدو أي فاعل مقاوم وكأنه أصل الفوضى وعدم الاستقرار.
في هذه النقطة بالذات يصح أن نستدعي أفكار عبد الوهاب المسيري لتفكيك هذه الظاهرة. فالمسيري لم يعالج الصهيونية كشأن يهودي صرف أو ظاهرة غربية تعرف داخل حدودها فقط، وإنما كبنية وظيفية قابلة لإعادة الإنتاج خارج الحقل الديني والقومي الضيق، بحيث توظف لإعادة تعريف الإنسان والمجال والتاريخ في خدمة المشروع الإحلالي-الاستعماري.
ومن هنا، فإن أخطر ما ينبغي الانتباه إليه في المشهد الراهن هو أن الصهيونية لم تعد تتداول فقط عبر ناطقين بالعبرية أو صناع قرار في "تل أبيب" وواشنطن، بل أيضا عبر بعض الناطقين بالعربية الذين يتبنون مقدماتها المعرفية والأخلاقية والسياسية، حتى وإن لم يعلنوا ذلك بهذه الصراحة.
هؤلاء يطلبون من العربي أن يرى "إسرائيل" كحقيقة جيوسياسية نهائية لا يجوز المساس بها، وأن يرى مقاومة الاحتلال أو كل قوة خارج السقف الأمريكي-الإسرائيلي خطرا على الدولة والسيادة وتهديدا للاستقرار. وهؤلاء أنفسهم من سوقوا لفرية أن القضية الفلسطينية عبء على المشاريع الوطنية، بعيدا عن سياق الصراع الوجودي الأوسع الذي يعيد تعريف المنطقة ويحدد مصيرها ومستقبلها.
هذا هو التحول الأخطر، فانتقال الصهيونية من موقع العدو الخارجي إلى موقع المرجعية الإدراكية الحاكمة لبعض النخب، يسهم في إعادة تشكيل الحساسية السياسية العربية ويعيد توجيهها.
ولهذا فإن تبني البعض لأطروحاتها لا يتم دائما عبر التطبيع العلني المباشر، بل عبر اللغة والخطاب المراوغ. فحين يقال إن الحرب على لبنان هي فرصة "لتحرير لبنان من حزب الله"، وتقدم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن تحت النار وعلى وقع المجازر باعتبارها طريقا لاستعادة الدولة، فإننا نكون أمام عملية إعادة تعريف كاملة لمفهوم الدولة والسيادة والعدو.
المشهد هنا يكشف مفارقة شديدة القسوة. فالدولة التي يتحدثون عنها لا تستعاد من خلال صد العدوان وحماية المجتمع من المجازر، أو من خلال تحرير القرار من الإملاء الخارجي، بل من خلال إعادة هندسة الداخل تحت شروط هذا العدوان.
إنها السيادة المزيفة التي تمنعهم من تسمية العدو الحقيقي أو رفض الابتزاز، وتزيدهم إصرارا على كبح كل قوة محلية لا تنسجم مع النظام الإقليمي المرغوب أمريكيا.
بهذا المعنى فإن الإيمان بالدولة عند هؤلاء إيمان انتقائي ووظيفي، يظهر فقط حين يكون المطلوب نزع الشرعية عن المقاومة، ويغيب أو يضعف حين يتعلق الأمر باستباحة الدولة نفسها وفرض سياسات عليها تحت القصف، أو إدخالها في ترتيبات تصاغ في واشنطن و"تل أبيب" وتقديمها للناس بلغة الإنقاذ الوطني.
وللحديث بقية، خاصة فيما يتعلق بإيران والخطاب الإعلامي، بما يقتضي تفكيكا أعمق للبنية التي يعاد من خلالها إنتاج هذا الخطاب وتوجيهه.

