Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

العرب وإيران: تساؤلات بلا إجابة

فلسطين اليوم

الكاتب: أحمد الصباهي

لماذا صمدت إيران؟ هل كان يجب عليها أن تنهار قبل هذه المدة؟ هذا ما عهدناه من الحروب الأميركية في المنطقة، كالعراق مثلاً، أو هذا ما أراد الأميركيون إيهامنا به، أو هم توهموا به، بكل الأحوال صمدت إيران وفاجأت الجميع.

امتصت صدمة الضربات الأولى، وحل القائد خلفاً لكل قائد سقط في المعركة، وصولاً إلى رأس النظام، السيد الشهيد علي خامنئي، الذي خلفه ابنه، السيد مجتبى خامنئي، في ظروف هيأت وصوله إلى منصب المرشد، وإلا لم يكن ليكون "قائداً للثورة الإسلامية".

فوفقاً لمصادر متعددة، السيد مجتبى رفض أكثر من مرة توليه المنصب، ووفاة السيد خامنئي مستشهداً، وفرت على المشهد الإيراني خلافاً حول شخصية المرشد المقبلة، بالرغم من وجود مؤسسة مجلس خبراء القيادة الرصينة التي تنتخب المرشد.

صوِّرت إيران دائماً أنها دولة إشكالية لمحيطها العربي، ووصفت أنها دولة تريد الهيمنة، تعززت هذه الصورة في سوريا والعراق، ولبنان، واليمن، وكانت إيران تعتبر نفسها تخوض حرباً مع الأميركي والإسرائيلي، لكن اليمن حالة إشكالية كبرى وحساسة، نظراً لقربه من الخليج، لأجل ذلك تعززت نظرية الدول العربية لوجود قواعد أميركية على أراضيها، ولاحقاً لـ"الخطر الإيراني" على التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

لكن العرب استمعوا إلى تصريحات مايك هكابي، السفير الأميركي لدى كيان الاحتلال في مقابلته مع الإعلامي تاكر كارلسون، وما سبق ذلك من حديث قادة الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو ووزير ماليته سموتريتش، عن تحقيق نبوءة "إسرائيل الكبرى"، كخطة عمل، وكمرسلين من الله.

وسبق ذلك أيضاً حديث ترامب عن مساحة "إسرائيل الصغيرة"، كل هذا لم يكن كفيلاً سوى بإصدار تصريحات منددة وخجولة، من غير أي خطوات عملية، لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني، الذي يمثل الجدار والخط الأول، لمواجهة تمدد وتوسع الإسرائيلي، وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".

وكأني بهؤلاء العرب أسمع صوت محمد الماغوط، وهو يتساءل منذ ثمانينيات القرن الماضي من بعيد يقول: "أمة بكاملها...كيف أوقظها من سباتها وأقنعها بأن أحلام إسرائيل أطول من حدودها بكثير...فهي لو أعطيت اليوم جنوب لبنان طوعاً واختياراً لطالبت غداً بشمال لبنان لحماية أمنها من جنوب لبنان، ولو أعطيت كل لبنان لطالبت بتركيا لحماية أمنها في لبنان، ولو أعطيت تركيا لطالبت ببالغاريا لحماية أمنها في تركيا..." ويمضي الماغوط معدداً أطماع الاحتلال، ولو امتد به الأجل لسماع ما يقوله ترامب لما خاطبهم إلا بما قاله سابقاً فيقول: "ثم تحدثت إليهم كخبير طاقة، وحذرتهم من أن منابع النفط هي الهدف التالي لإسرائيل، وإننا كعرب، قد نعود إلى عصر الحطب في المضارب".

لكن العرب استمروا في حذرهم وتشكيكيهم بإيران، واستمر قادة الاحتلال الإسرائيلي في تصريحاتهم حول التمدد، وترجموا ذلك بخطوات عملية في لبنان، وسوريا، وبقي العرب، كما هم، من غير أي تحرك.

لكن حتى يتحقق حلم "إسرائيل الكبرى"، كان لا بد من إزالة "العقبة الكأداء" إيران، فبانهيار إيران تنهار آخر قلاع المقاومة اللبنانية والفلسطينية، ويصبح الطريق معبداً أمام دبابات الاحتلال في لبنان، وسوريا وغزة، ويصبح التطبيع مع العرب باليد، بفعل هذا الانتصار لو تحقق، فالعرب جاهزون، لكنهم بحاجة إلى إقناعنا أو إقناع شعوبهم، أنه لا مناص من التطبيع مع القوة الكبرى التي ستفرض نفسها في الشرق الأوسط بدعم أميركي، فالسلامة هي بالتسليم، والندامة في القتال.

هل انهيار إيران يخدم العرب ؟ وهل "إسرائيل" الكبرى هي لصالحهم؟ يبدأ الجواب بما تمثله إيران من "خطر"، على منطقتنا، والسؤال الذي يطرح نفسه هل إيران مثل أي دولة في العالم، هل يحق أن يكون لديها حلفاءها، وأن تحافظ على مصالحها؟ وهل "العداء الخليجي" مبني على "الطموحات والأطماع الإيرانية"، أم على العداء "المذهبي"، أو ما تمثله إيران من مشروع مناهض للهيمنة الأميركية.

الجواب باختصار، هل تعامل العرب، مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بطريقة مختلفة، فمصر دولة عربية، لكن المشكلة مع ناصر، أنه كان يحمل مشروع الوحدة العربية، ومشروع مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، هو مشروع يلتقي معه كل عربي على اختلاف معتقداته، لكنه مشروع يهدد عروش وكراسي الرؤساء العرب، فأسقط عبد الناصر.

لماذا يعتبر العرب أن بإمكانهم التعايش مع الكيان الإسرائيلي، ولا يمكنهم التعايش مع إيران، ألم يتحدث قادة إسرائيليون عن مصر، وخطر قوة الجيش المصري، وعن الأردن "الوطن البديل"، ألم يشاهدوا ماذا جرى في قطر عندما استهدفها الاحتلال، ولم يحترم سيادتها؟ وهي التي تحتضن أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط.

ماذا لو تلقف العرب دعوة قاليباف؟ يقول محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الإسلامي في مقال نشره موقع "الجزيرة": "لقد كانت أولوية الجمهورية الإسلامية في إيران على الدوام تعزيز العلاقات مع دول الجوار والعالم الإسلامي. فإيران لا تعدّ تهديداً لدول المنطقة، بل دأبت دائماً على مدّ يد الصداقة والأخوة إلى جيرانها والدول الإسلامية".

ويضيف: "كان اتفاق بكين بين الجمهورية الإسلامية في إيران، والمملكة العربية السعودية أحد أبرز تجليات هذا النهج؛ وهو اتفاق تابعه رئيسا إيران، الشهيد آية الله رئيسي، والدكتور بزشكيان، وحظي أيضاً بدعم وتأييد قائد الثورة الإسلامية... وعليه، يمكن لدول الخليج الفارسي، في إطار اتفاقات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف تضمّن بتعريف المصالح الاقتصادية المشتركة، ومن دون تدخل خارجي، أن تنشئ أمناً مستداماً للمنطقة، وأن تتحوّل إلى واحدة من أكثر مناطق العالم أمناً، وأن تستقبل المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، وهذا قرار ينبغي عليكم اتخاذه من أجل مستقبل شعوبكم وبلدانكم".

ما الذي يمنع تلقف هذه الدعوة؟ لماذا الدول الأوروبية التي انصاعت لعقود للإرادة الأميركية رفضت التعاون مع ترامب في عدوانه على طهران، ومنعت العديد من دولها أن تستقبل طائراته الحربية.

على العرب أن يسألوا أنفسهم، كيف يجب التعامل مع إيران في انتصارها على الأقل "بواقعية" الدولة المنتصرة؟ لماذا لا تكون هناك على الأقل علاقات متوازنة بين إيران والولايات المتحدة؟ متى يدرك العرب مصالحهم على حساب التبعية؟

حتى يعيد العرب حساباتهم، إن فعلوا ذلك أم لا، من الواضح جداً أن العدوان على إيران هو أجندة إسرائيلية، هكذا تراها شعوب العالم أجمع، حتى إن لم تروها كذلك. وهي تمثل لنا كعرب ومسلمين ما تبقى من جدار منيع ضد تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"...هي ما تبقى لنا من كرامة.