Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

هل تنفع استراتيجية غزة في جنوب لبنان إسرائيلياً؟

فلسطين اليوم

الكاتب: محمد جرادات 

يناور جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه المستمر في جنوب لبنان، متبعاً استراتيجية التحرك المتسارع مع التعمق الحثيث جنوب نهر الليطاني، وهي استراتيجية تدمج نسبياً بين ثلاث عقائد عسكرية وهي:

*أولاً: حرب المناورة (Maneuver Warfare) القائمة على محاولة كسر توازن المقاومة الإسلامية، وذلك عبر الحركة السريعة كبديل عن عقيدة الضربة القاضية، وأيضاً هي تختلف الآن عن طريقة التدمير التدريجي، لأنها تعتمد على التقدم السريع متعدد المحاور، مع البحث عن نقاط ضعف بهدف ضربها تجنباً للمواجهة المباشرة، مع إرباك الميدان بانسحابات تكتيكية ثم إعادة التموضع، من دون الاضطرار إلى السيطرة الدائمة على الأرض، لا سيما في عمق البلدات الجنوبية إلا ما يخص بعضها، مثل القوزح والناقورة وربما البياضة، مما يمكن السيطرة عليها ويكون عمقها حتمياً في حماية الحركة المستمرة لقوات الاحتلال المجوقلة وغير القادرة على حفر خنادق أو تأسيس بنية تحتية، ولو مؤقتة.

وسبق لجيش الاحتلال أن اتبع هذا النموذج عبر مراحل من القتال داخل قطاع غزة، ولا سيما في السيطرة على مدينة غزة، بعد تولي إيال زامير رئاسة أركان هذا "الجيش" بعد استقالة هرتسي هليفي، والآن يبدو أنه يتبع العقيدة القتالية ذاتها في جنوب لبنان، بالتأكيد مع فوارق نسبية.

*ثانياً: حرب التمركز القابل للحركة (dynamic maneuver-based deployment) وهي تقوم على التمركز في مفاصل الطرق بهدف منع تموضع مجموعات المقاومة، أو تنظيم صفوفها وفق خطة ميدانية تلائم جغرافية المنطقة، وهي تتطلب تموضعاً شبه ثابت، ويكسر هذا الثبات القابلية السريعة لإعادة الانتشار وفق خطوط حركة محمية نسبياً، في ظل وجود نقاط عسكرية شبه دائمة أو إدارة مناطق سيطرة نارية، وسبق لـ"جيش" الاحتلال أن اتبع نمطاً قتالياً كهذا في عمق مدينة غزة قبل البدء بتطبيق الهدنة الراهنة.

*ثالثاً: حرب الاستنزاف (Attrition Warfare) بهدف إنهاك المقاومة تدريجياً عبر إيقاع خسائر مستمرة، في ظل توجيه ضربات متكررة على مدى زمني متلاحق ولو من دون حسم سريع، وهذا ما يشير إلى طبيعة المواجهة في أطراف بلدة الخيام وقلعة شمع على سبيل المثال، وهو ما اتبعه "جيش" الاحتلال في غزة بعد تنصيب إيال زامير رئيساً للأركان، وهي الخطة ذاتها التي قدمها للكابينيت الإسرائيلي لاحتلال مدينة غزة ما أتاح للمستوى السياسي دخول التفاوض على هذه الأرضية الميدانية.

وكان جيش الاحتلال قد دمج بين هذه العقائد العسكرية في غزة، وهو الآن يكرر الخطط ذاتها في هجومه جنوب نهر الليطاني، مع تكتيكات تفصيلية مختلفة نسبياً، وهو يدرك أن حزب الله في جنوب لبنان كما كانت حماس والجهاد الإسلامي في غزة قوى غير تقليدية ولا تعتمد أسلوب الثبات، ولكن هذه الخطط لم تلحظ أن هناك فوارق كبيرة يمكنها تغيير المشهد بعكس مرادها، حتى لو لاحظ واضع هذه الخطط طبيعة هذه الفوارق، وحاول جسر الفجوة بينها، لن يسعه الوصول إلى تكرار النتيجة، على الرغم أن هذه الخطط لم تنجح كلياً في غزة، وإن كفلت لـ"جيش" الاحتلال التعمق في قلب مدينة غزة تحت النار بشكل دائم.

*خطة واحدة بواقعين مختلفين:

اضطر جيش الاحتلال إلى اتباع خطة كهذه في عملية انتشاره، أو محاولات انتشاره جنوب الليطاني، وهو يدمج بين المناورة سريعة الحركة، مع التمركز المتحرك، في ظل محاولة استنزاف المقاومة على طريقة عمل الوحدات القتالية المتناغمة، وهو اضطرار محكوم للعوامل الآتية:

1- طبيعة الآليات العسكرية الإسرائيلية المستخدمة في الهجوم خلال هذه المرحلة، وغالبها دبابات ميركافا ومدرعات إيتان مع جرافات D9, و D10، من دون القدرة على استقدام آليات عسكرية تناسب الثبات الدائم والتموضع القتالي في خنادق ودشم ومعسكرات، كون الآليات الأخرى تمثل أهدافاً سهلة للمقاومة، مثل آليات الحفر والبناء وعربات نقل الجنود أو جيبات الهمر أو الشاحنات، في وقت تقوم المقاومة باصطياد يومي لفخر القوة العسكرية الإسرائيلية الميركافا، إذ أصيب حتى الآن نحو 150 منها بين تدمير كلي أو جزئي، فكيف يكون الحال مع آليات غير محصنة؟

2- ضبابية الخطط السياسية وعقم الفضاء السياسي، وهو ما يدركه رئيس هيئة الأركان إيال زامير، لذلك نجده رفع راياته الحمر العشر في وجه المستوى السياسي، محذراً من انهيار "الجيش" من الداخل.

3- العكوف عن التجنيد، لأن الثبات الميداني يحتاج إلى فرقتين عسكريتين إضافيتين داخل جنوب لبنان، لتأمين عمليات التموضع والثبات، تضاف إلى الفرق الأربع المشاركة في القتال، ففي الوقت الذي أصدر "الجيش" أوامر استدعاء 400 ألف ضابط وجندي من قوات الاحتياط، فإن الاستجابة كانت محدودة جداً، ولم يعلن عن حجمها بالضبط تحت حجة ظروف الحرب، ولكنها الحرب التي يفترض أن تدفع هؤلاء إلى الاستجابة كما فعلوا بعد هجوم 7 أكتوبر، ولم يعد الإشكال مرتبطاً بأزمة طائفة الحريديم الذين يشكلون 17% من المجتمع اليهودي في "دولة" الاحتلال، ولكنهم يرفضون مبدأ التجنيد، وهو ما دفع زامير إلى مخاطبة نواب الكنيست مباشرة وتحميلهم مسؤولية ذلك.

اتسع العكوف عن التجنيد ليشمل فئات واسعة من المجتمع والشباب لأسباب تتصل بافتقاد الحافز أصلاً، إضافة إلى تصاعد حدة الحرب الراهنة، وخطورة مواجهة حزب الله في أرضه كونه يمثل خطراً كبيراً، لكنه خطر خارج الحدود بخلاف غزة التي يعدها الإسرائيليون حديقة داخلية ضمن حدود فلسطين التاريخية، وأخيراً تضافر الحروب على جندي الاحتياط للسنة الثالثة على التوالي دونما أفق وكثير منهم فقدوا وظائفهم المدنية، خاصة أن النظام المالي لـ"الجيش" لا يوفر لهم رواتب مثل ما يوفر للجندي النظامي.

4- الجهل بمستوى قدرات المقاومة، وقد تبين خطأ التقديرات التي سبق أن تبناها "الجيش" والمستوى السياسي، والتي انطلقت من وهم القضاء على بنية حزب الله التنظيمية والعسكرية والإجهاز على تموضعاته جنوب الليطاني، بل والقضاء على قدراته الصاروخية، وقد تبين منذ الأسبوع الأول من بدء القتال خطأ هذه التقديرات، وهو ما يتعزز مع كل يوم إضافي خلال هذه الحرب.

دفعت العوامل السابقة جيش الاحتلال إلى الدمج بين عقائد عسكرية عديدة، وهو يكرر تجربته في غزة، وربما هو يدرك الفارق بين الواقعين ولكنه يتجاهلها حتى الآن، تحت وقع الشعور بعدد من الأمور، أهمها:

1- فارق القوة العسكرية الهائل

2- الدعم الأميركي غير المسبوق

3- نتائج ما أفرزه هجوم 7 أكتوبر

4- الضربات الأمنية الناجحة ضد حزب الله سابقاً

5- التحولات داخل الحكومة اللبنانية وقرار نزع سلاح حزب الله

6- تحولات الواقع السوري في غير صالح حزب الله

7- احتلال "إسرائيل" لجنوب سوريا إذ يمكن التسلل داخل مناطق لبنانية حساسة

8- الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران.

تعد الفوارق بين واقعي غزة ولبنان، من الأهمية بمكان ما يعيق نجاح خطط الهجوم الإسرائيلية، وهو ما قد يظهر مع امتداد زمني معين، خاصة إذا استمر تعثر العدوان على إيران، فكيف إذا تصاعدت نجاحاتها النوعية وهو ما بدأ يظهر أكثر من ذي قبل مع الشهر الثاني من العدوان، وأبرز الفوارق بين غزة ولبنان في ظل طبيعة خطط الهجوم الإسرائيلية الراهنة:

أولاً: جغرافية غزة الرملية المكشوفة والمحدودة، مقارنة بجغرافية جنوب لبنان المعقدة من جهة، والمفتوحة على فضاء لبناني مستقر نسبياً.

ثانياً: الحصار المطبق على غزة عربياً، وإن كان هناك حصار على لبنان وضد حزب الله، فهو من نوع مختلف ما يكفل له القدرة على النفاذ من ثغرات كثيرة، خاصة مع فضاء التواصل مع إيران على الرغم من المسافة البعيدة.

ثالثاً: قدرات المقاومة الفلسطينية تبقى أقل بكثير من قدرات حزب الله والتي تراكمت ضمن فضاء مفتوح نسبياً، مقارنة مع غزة التي ظلت تواجه حروباً متواصلة ضدها مع محدودية التعويض.

رابعاً: العقل الثأري مع غزة نتيجة هجوم 7 أكتوبر والتباس استهداف ما يسمى بالمدنيين، وهو غير قائم مع لبنان، ولعل هذا الفارق الكبير أو هي الذريعة الحاسمة التي أطلقت يد "إسرائيل" لتبطش بغزة، وتوقع هذا العدد الهائل من الشهداء والجرحى والدمار الكلي، إذ وجدت المقاومة نفسها أمام 100-200 شهيد يومياً حتى بعد مرور سنتين على الحرب، ما أعطى أولوية حقن دماء المدنيين الفلسطينيين في برنامج المقاومة، على الرغم من استهداف المدنيين المتواصل في لبنان خصوصاً ضد بيئة حزب الله وحاضنته الشعبية، إلا أن ذلك يبقى دون ما وقع في غزة، ما يتيح لحزب الله القدرة على كبح جماح التغوّل الإسرائيلي.

خامساً: الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية تعرضت لإبادة في غزة والضفة، فيما الحواضن العربية الإسلامية (السنية) تخلت عن المقاومة الفلسطينية بما فيها الأحزاب الإسلامية الكبرى والنخب فضلاً عن الأنظمة التي تآمرت عليها، في وقت نجد أن الحواضن الشعبية الموالية لحزب الله تجاوزت قسوة الضربات الأمنية والاغتيالات السياسية خصوصاً مع فقدان السيد الشهيد حسن نصر الله، كما أن حاضنة حزب الله العربية الإسلامية (الشيعية) تتفاعل لصالحه بشكل دائم على امتداد المحور وخارجه، وقد انفتحت على فضاءات (سنية) عديدة، ويشير إلى ذلك استشهاد عدد من المقاومين في جنوب لبنان من مصر وسوريا والعراق.

عند استحضار الفوارق بين لبنان وغزة لصالح لبنان، والنظر في عوامل تفوّق القوة العسكرية الإسرائيلية في الحالتين، يصعب تخيل قدرة هذه القوة على تجاوز الفوارق في ضوء خطة مكررة في واقع مختلف، حتى ولو كانت خطة قابلة للتعديل أو الانفتاح على خطط متصاعدة تبعاً لتغيرات مرتقبة في الميدان، لأن الجغرافيا الطبيعية المعززة بحاضنة تضحوية، يمكنها بقليل من العتاد والوعي والعناد قهر الجبروت العسكري مهما أزبد وأرغى.

المصدر: الميادين أونلاين