الكاتب: جمال زحالقة
أحيا الشعب الفلسطيني، الأسبوع الماضي، ذكرى مرور خمسين عاما على يوم الأرض الخالد. وجرى التأكيد بهذه المناسبة على أن قضية الأرض كانت وما زالت هي القضية المركزية للشعب الفلسطيني، الذي تشكّلت هويته الوطنية في خضم الصراع على الأرض والدفاع عن وجوده عليها.
وبمرور الزمن، احتدم الصراع على الأرض ولم يهدأ، بل يزداد سخونة يوما بعد يوم، تبعا للصدام المحتوم بين مشاريع سلب الأراضي، وتعاظم أرادة وجهوزية أصحابها للذود عنها وعن حقّهم فيها. مضى نصف قرن على يوم الأرض الخالد في 30 مارس 1976، يوم هبّت جماهير شعبنا في مناطق 48، في الجليل والمثلث والنقب والساحل، دفاعا عن أرضها وللتصدي لمشاريع مصادرتها.
تكمن أهميته بأنّه، وبروح الوحدة الكفاحية في يوم الأرض، يمثّل حالة من الإجماع الوطني الشامل، حيث صادقت عليها جميع الأحزاب والحركات السياسية والسلطات المحلية العربية في الداخل الفلسطيني، وهو بهذا وثيقة مرجعية مهمة للتربية الوطنية ونشر الوعي وشحذ الهمم في أمّ المعارك: معركة الدفاع عن الأرض، التي هي معركة واضحة وعادلة بامتياز: أصحاب حقّ يدافعون عن حقّهم ويحمونه ممّن يعتدون عليه ويسعون لسلبه.
لقد انطلق يوم الأرض من الداخل الفلسطيني، وسرعان ما تحوّل إلى يوم وطني جامع للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافّةً.. وجاء دليلا إضافيا على بديهية أن الشعب الفلسطيني هو شعب واحد، رغم التجزئة والتقسيم وفصله أجزائه عن بعضها بعضا.
*الخلفية
بدأ الصراع على الأرض مع البدايات الأولى للاستيطان الصهيوني في فلسطين، ففي عام 1886هاجم الفلاحون العرب المطرودون من الخضيرة وملبس (بيتح تكفا) المستوطنين في قراهم التي أجلوا عنها.
وتكررت الاشتباكات وتواصلت المواجهات إلى يومنا هذا، ومع أن مظاهر الصراع تبدّلت من مرحلة لأخرى، إلّا أن جوهره لم يتبدّل، فهو صدام بين من يدافعون عن أرضهم، التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ومشروع استعماري استيطاني اقتلاعي إحلالي يرمي إلى سلب أرضهم وترحيلهم عنها وإحلال مستوطنين جُدد بدلهم.
عشية نكبة فلسطين، بلغ مجمل الأراضي التي سيطرت عليها الحركة الصهيونية حوالي 6% من مساحة فلسطين. وبعد أكبر عملية تهجير في تاريخ فلسطين القديم والحديث، نفّذت الدولة الصهيونية عملية سطو منظّمة ومقوننة على الأرض التي هجّرت أهلها وعلى أراضي الباقين في وطنهم.
فقامت بالسيطرة على أراضي وأملاك اللاجئين بالكامل ووضعت يدها على معظم أراضي الفلسطينيين الذين فرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية. لقد سنّـت "إسرائيل" عشرات قوانين المصادرة واستعملتها لسلب ملايين الدونمات من أراضي فلسطينيي الداخل، الذين كان عددهم عام 1948 حوالي 150 ألفا وأصبح اليوم 1.8 مليون نسمة، وقد زاد عددهم 12 ضعفا وتقلصت مساحة أرضهم إلى الربع. وقد طالت المصادرة جميع البلدات العربية في مناطق الـ48، وخلّفت جروحا عميقة وغضبا شعبيا عامّا في كل بيت وفي كل بلدة، وانفجر هذا السخط المتراكم في يوم الأرض.
*السياق
في الأشهر التي سبقت يوم الأرض، طرحت الحكومة الإسرائيلية مشروع «تطوير الجليل»، الذي كان في حقيقته مشروعا لتهويد الجليل، الذي يقع شمال فلسطين. وكشفت «وثيقة كينج»، التي سطّرها عشية يوم الأرض متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية الإسرائيلية، وتصريحات قيادات حكومية وازنة عن قلق متزايد من تكاثر العرب، وتحوّلهم إلى أكثرية في «لواء الشمال»، خاصة في ضوء تنامي المد الوطني في صفوفهم. وطرح في هذا السياق مشروع لمصادرة المزيد من الأراضي العربية وإقامة مستوطنات جديدة وإسكان مستوطنين يهود فيها، في سبيل تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الجليل.
وقد أثار قرار الحكومة الإسرائيلية عام 1975 مصادرة 21 ألف دونما من الأراضي العربية في الجليل، خصوصا في «منطقة المل» التابعة لبلدات سخنين وعرابة ودير حنّا وعرب السواعد، غضبا شعبيا عارما لم يسبق له مثيل. ولم تتوقّع السلطات الإسرائيلية مثل هذا الرد، خاصة أنها صادرت ملايين الدونمات، ولم تواجه مثل هذه المعارضة. ويعود سبب انفجار الغضب إلى أن المصادرة الجديدة حينها كانت بمثابة رش الملح على جرح المصادرة المفتوح، كانت كذلك «القشة التي قصمت ظهر البعير» بعد تراكم المصادرات وما رافقه من تعاظم الاحتقان والشعور بالاختناق من حالة سحب الأرض من تحت أرجل الناس.
كان السياق العام هو «عودة الروح» إلى الوطنية الفلسطينية في النصف الأول من السبعينيات، وصعود جيل جديد لم يعش صدمة النكبة، لكنّه كان معبّأً ومشحونا بحكايتها وبما تبعها من قهر واضطهاد. وكما كتب والتر بنيامين في «تأمّلات في مفهوم التاريخ» فإن النقمة والاستعداد للتضحية «تتغذّى من صورة الأجداد المقهورين وليس من صورة الأحفاد المحررين». وكان جيل ما بعد النكبة في الداخل أكثر استعدادا لكسر حاجز الخوف وجهوزية للنضال والمواجهة، دفاعا عن الحكاية الفلسطينية، لا أقل من الدفاع عن الأرض والحقوق.
*الحدث
بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية عام 1975 مشاريع مصادرة الأراضي في الجليل، بدأ حراك واسع للتصدي لسلب الأراضي، فتشكلت لجان شعبية محلية، وبعدها أُقيمت لجنة الدفاع عن الأراضي، التي أعلنت الإضراب العام في 30 مارس 1976.
وحاولت السلطات الإسرائيلية منع الإضراب بشتّى الوسائل، حيث جنّدت أعوانها ووسائل إعلامها وقامت بالتحريض والتهديد بقطع الأرزاق. لقد رفضت القيادات الوطنية في الداخل الخضوع لضغوط السلطة واستمر العمل لإنجاح الإضراب، بمشاركة واسعة من كوادر الحزب الشيوعي وحركة أبناء البلد وأعضاء سابقين في حركة الأرض المحظورة، واتحاد لجان الطلاب الجامعيين العرب ولجنة الطلاب الثانويين ولجنة المبادرة الدرزية واللجان الشعبية المحلية وأصحاب الأراضي وأعداد كبيرة من الناشطين المفعمين بالحماس الوطني. وكان ذلك أول إضراب عام ينظمه فلسطينيو الداخل، وفاق الالتزام به التوقعات كلها، وجاء تعبيرا عن حالة من الوحدة الكفاحية والمد الوطني.
بدأت أحداث يوم الأرض مساء يوم 29 مارس 1976، حين اعتدت الشرطة الإسرائيلية على متظاهرين في بلدة دير حنّا، فانطلقت على الفور مظاهرة في بلدة عرّابة المجاورة، فهاجمتها قوات من الشرطة والجيش وأطلقت النار على المحتجّين، فارتقى الشهيد خير ياسين وجرح آخرون. وفي يوم الأرض نفسه جرت مواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية في عدد كبير من البلدات العربية، واستشهد في سخنين رجا أبو ريا وخضر خلايلة وخديجة شواهنة وفي كفركنا محسن طه وفي الطيبة رأفت الزهيري، ابن عائلة من مخيم نور شمس هجّرت من قرية قنير الواقعة في أراضي الروحة. ومن المهم الإشارة إلى أن عددا كبيرا من المدن الفلسطينية في الضفة والقطاع أعلنت الإضراب في ذلك اليوم، تأكيدا على وحدة الهم والأرض والمصير.
*المعنى والأثر
لم يكن يوم الأرض يوما نضاليا عابرا، بل كان محطّة تاريخية مفصلية. فلأول مرة تتجلى وحدة فلسطينيي الداخل في فعالية قومية – مدنية شارك فيها الجميع من ربوع النقب حتى أعالي الجليل. وبعد أن تبنّته الحركة الوطنية، وتجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، أصبح «يوم الأرض» يوما وطنيا جامعا.
الأحداث التاريخية صمّاء لا تنطق بمعانيها، والبشر الأحياء هم من يمنحها المعنى. وقد حمّل شعبنا يوم الأرض معاني جدوى النضال وكسر حاجز الخوف والوحدة الوطنية الكفاحية ووحدة الشعب في جميع أماكن وجوده، وأن الأرض ليست إحدى القضايا، بل هي القضية بال التعريف، فهي ليست قضية ملكية فحسب، بل هي الوطن وأساس الهوية. ما يحدث اليوم بالنسبة لقضية الأرض أصعب بكثير مما كان في يوم الأرض 1976.
فقد امتدت غاية المشروع الاستيطاني الصهيوني إلى بعدها الأقصى: السيطرة على الأرض الفلسطينية بالكامل وتفريغها من سكّانها بشكل تام، و"إسرائيل" تعمل على تنفيذ ما تسمح لها الظروف وما تستطيع من هذه الغاية. وقد تجلّى ذلك في قطاع غزّة حيث سعت إلى السيطرة على الأرض بالمطلق وترحيل جميع الأهالي، وحين فشل التهجير نفّذت الإبادة الجماعية والتدمير الشامل.
وتقوم الحكومة الإسرائيلية بمساع محمومة لسلب المزيد من الأراضي الفلسطينية، ففي القدس تواصل تنفيذ مخططات التهويد وهدم البيوت، وفي الضفة الغربية تتصاعد مشاريع الاستيطان ومصادرة الأرض ومحاولات الترحيل، وفي الداخل تعمل على سلب مئات آلاف الدونمات في النقب وتهدم سنويا آلاف المنازل وتمحو قرى بأكملها، وكذلك تسعى لمصادرة مساحات واسعة في منطقتي المثلث والجليل.
بالنسبة لنا كفلسطينيين، الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الذات والوجود والبقاء والكرامة، وفي هذه المعركة نستلهم روح يوم الأرض ونسترشد بمعانيه، ولا خيار لنا الّا الصمود، والأمل باق في شباب وشابات فلسطين.
المصدر: القدس العربي

