Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

التحولات الاستراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران

فلسطين اليوم

الكاتب: وسام أبو شمالة

مع دخول الأسبوع السادس للحرب على إيران، فإنّ ما قدّرناه سابقاً قبل بدء الحرب، أصبح على مرأى وسمع العالم أجمع، فالحرب لم تكن خاطفة وحاسمة وسريعة كما أرادها الثنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ولم تحقّق الضربة الأولى للقيادة الإيرانية، تغييراً في النظام، ولا حتى فراغاً قيادياً، كما لم يتحرّك الشارع الإيراني ضدّه، بل كان تحرّكاً واسعاً ضدّ العدوان، وبعدما كان الهدف من الحرب إسقاط النظام تحوّل إلى استعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، وبدلاً من مساعي الولايات المتحدة و"إسرائيل" لتدشين الحسم السريع لإيران كبداية لإطباق الهيمنة العالمية والإقليمية، يبدو أنّ الحرب الجارية قد تسجّل كنقطة تحوّل في انحدار "الإمبراطورية" الأميركية ووكلائها في المنطقة، ولا سيما الوكيل الإسرائيلي. 

إنّ الحرب الجارية ليست مواجهة محدودة، كما ظنّ مسعّرو الحرب في واشنطن و"تل أبيب"، بل ستكون لها تداعيات إقليمية وعالمية واسعة، فإلى جانب البعد العسكري المباشر للحرب، فإنّ نتائج الحرب ستنعكس على ميزان القوى في "الشرق الأوسط"، والسيطرة على طرق التجارة والطاقة، وعلى تشكيل النظام العالمي في ضوء التنافس الحميم بين القوى الكبرى.

في هذه المواجهة، استهدف العدوان الصهيوأميركي قدرات عسكرية لإيران، ولا يُعرف حجم الضرر الذي أصابها، بيد أنّ استمرار القوات الإيرانية في استهداف المواقع الأميركية والإسرائيلية (على بعد نحو 2000 كلم)، بالصواريخ البالستية والمسيّرات العسكرية، واختراق عدد منها كلّ منظومات الإنذار والتصدّي والدفاع الجوي، وإصابة وتدمير العديد من الأهداف، يدحض السرديتين الأميركية-الإسرائيلية في التدمير شبه الكلي للقدرات الصاروخية الإيرانية، كما أنّ إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية لعدد من الطائرات الأميركية، ينفي الادّعاءات بالسيطرة على المجال الجوي الايراني، كما أنّ التحكّم الإيراني في حركة السفن عبر مضيق هرمز يشكّك في رواية ترامب حول تدمير الأسطول البحري الإيراني. 

تمكّنت إيران من بناء منظومات صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة، وأنشأت بنية تحتية نووية، وبصرف النظر عن رواية التدمير الشامل، فإنّ القوات الإيرانية أثبتت قدرة معتبرة على الدفاع والهجوم والتحكّم والسيطرة، حتى بعد مرور نحو شهر ونصف الشهر على الحرب. 

الفشل العملياتي في الحسم السريع، يدفع ترامب إلى التفكير في التورّط بشكل أعمق في الحرب، والتهديد والاستعداد لعمل بري في جزيرة خرج، وهي نقطة رئيسية لتصدير النفط الإيراني، والعمل على فتح مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20% من النفط العالمي، وهو ما يجعله أصلاً استراتيجياً، ما يشير إلى أنّ واشنطن تسعى لترسيخ سيطرة استراتيجية أوسع في المنطقة، وبصورة خاصة حول طرق الطاقة المركزية، والعمل على التحكّم في تدفّق النفط الإيراني.

تسعى الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران لترسيخ تحوّلات استراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران، ففي ضوء التنافس الأميركي مع الصين وروسيا، والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية التي تربط الدولتين بإيران، وبشكل خاصّ في مجالي الطاقة والتعاون العسكري؛ فإنّ الولايات المتحدة، ترى أنّ المواجهة مع إيران ليست مسألة إقليمية فحسب، بل هي جزء من صراع أوسع على قيادة النظام العالمي، الأمر الذي يعني أنّ نتائج الحرب ستؤدّي إلى تراجع الهيمنة العالمية الأميركية في حال فشلت الأخيرة في هزيمة إيران، وتعزيز القوتين العالميتين، روسيا والصين، والقوة الإقليمية لإيران في حال نجحت الأخيرة في كسر الإرادة الأميركية وإجهاض أهدافها، بيد أنّ الهدف الرئيسي لـ "إسرائيل" يتمثّل في تدمير القدرات النووية الإيرانية، ومنظومة الصواريخ الباليستية، وكسر التحالف مع محور المقاومة، وذلك عبر إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك الدولة الإيرانية وتحويلها إلى دولة فاشلة.

إنّ "إسرائيل" ترى أنّ عدم إسقاط النظام الإيراني، يعني بقاء التهديد قائماً مع بقاء النظام الذي سيسعى لاستعادة قدراته وتطويرها في ضوء التجربة العسكرية وربما يغيّر المرشد الخامنئي الابن فتوى أبيه، ويبيح إنتاج قنابل نووية.

ترى الولايات المتحدة الحرب من منظور أوسع، من الرؤية الإسرائيلية الأمنية، من خلال السعي لاستبدال نظام إيراني معادٍ لها، لنظام موالٍ، بصرف النظر عن أيدلوجيته، ولا ضير لو كان من المحسوبين على النظام، على غرار التجربة الفنزويلية، فالأهمّ ليس من سيستجيب للمصالح الأميركية، بل أن يتمّ إنفاذها بشكل أساسي، وفي الحالة الإيرانية فإنّ إبعاد إيران عن الشراكة الصينية والروسية، لا يتمّ إلا بتغيير موقع إيران في النظام الدولي؛ من نظام يسعى لتطوير شراكته مع الصين وروسيا إلى نظام يندمج في النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولتحقيق ذلك، تظنّ الولايات المتحدة أنّ الانتقال من مرحلة تدمير المقدّرات العسكرية الإيرانية إلى مرحلة تالية تستهدف الاقتصاد الإيراني بكلّ مكوّناته قد تدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام من دون شروط، بيد أنّ المؤشّرات لا تتجه وفق الظنون الأميركية، وعلى الأرجح فإنّ إيران ستخوض معركة استنزاف طويلة ولا تضع في سلّة خياراتها الاستسلام. 

بعد نحو ستة أسابيع تقرّ مختلف الأوساط الأميركية و"إسرائيل" أنّ الأهداف المرسومة لم تتحقّق، فالنظام الإيراني لم يسقط ولم يفقد السيطرة ولا يتوفّر بديل موالٍ من داخله، ولا يزال اليورانيوم المخصّب بحوزة إيران؛ وإطلاق الصواريخ متواصل، والقوات الإيرانية تتحكّم في مضيق هرمز، والحرب تتوسّع من لبنان إلى العراق واليمن ودول الخليج، وتتزايد التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية الناتجة من إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع مستوى المعارضة للحرب في الولايات المتحدة، وتراجع شعبية ترامب قبيل الانتخابات النصفية.

أرادت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تحقيق تحوّل استراتيجيّ لصالحهما بعد حسم سريع للحرب، يتمّ فيه استبدال النظام الإيراني بنظام صديق، يبتعد فيه عن روسيا والصين ويقترب من نظام عالمي تهيمن فيه الولايات المتحدة، وتصبح "إسرائيل" جزءاً مركزياً من نظام إقليمي تحظى بالنفود الأوسع والمكانة الأكبر في "الشرق الأوسط" بيد أنّ النموذج الإيراني في الصمود والدفاع والهجوم والقدرة على التحكّم والسيطرة، والدعم الشعبي للنظام، أجهض الأهداف الصهيوأميركية، حتى الآن، وأجهض معها رؤيتها لليوم التالي للحرب، الأمر الذي قد يدفع ترامب لأحد خيارين: الأول أن يدّعي "النصر" من دون تغيير جوهري، ويسحب قواته، وتبقى "إسرائيل" وحدها في حرب استنزاف مع إيران ولبنان واليمن وجبهات أُخرى، والثاني أن تدخل الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران وحلفاؤها من جهة أخرى، في حرب استنزاف طويلة، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً، وتُستهدف منشآت الطاقة، ما سيؤدّي إلى انعكاسات اقتصادية كبيرة، ترفع مستوى التدخّل الإقليمي والدولي في الحرب بأشكال مختلفة. 

بصرف النظر عن القرار النهائي لترامب، فإنّ الخيارين أحلاهما مرّ، ومآلات كلا الخيارين لا يخدم التحوّلات الإستراتيجية التي تسعى إليها الولايات المتحدة في اليوم التالي للحرب، فصورة الولايات المتحدة ستتضرّر ومكانتها ستتراجع عالمياً، ما قد يشجّع الصين على التحرّك تجاه تايوان، ويفتح شهية روسيا لحسم حربها مع أوكرانيا وربما توسيع تدخّلها العسكري.

وإقليمياً، ستتراجع المكانة والقوة الإسرائيليتين، وستتراجع ثقة دول الخليج بالولايات المتحدة، وبحليفها الإسرائيلي الذي ورّط الجميع في حرب غير محسوبة.

إنّ تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج، من جهة، وتراجع رغبة دول الخليج ودول المنطقة في التطبيع مع "إسرائيل" من جهة أخرى، سيكون أحد التحوّلات الاستراتيجية الهامّة في حال فشلت الحرب على إيران في تحقيق أهدافها، والإثبات بأنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" أصبحتا عبئاً على دول الخليج والمنطقة بل وسبباً في عدم الاستقرار العالمي. 

القراءة الموضوعية لليوم التالي للحرب، تفترض إدراكاً خليجياً بأنّ العلاقات مع الولايات المتحدة ووجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها لم تؤدِ إلى حمايتها، بل العكس هو الصحيح، إذ تسبّبت في تحويلها إلى طرف في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. 

كما أنّ دول الخليج والمنطقة ستراجع خضوعها للهيمنة الأميركية، التي سعت إلى تهيئة البيئة الإقليمية للهيمنة الإسرائيلية، والتفكير بإدارة حوار استراتيجي هادئ بين مكوّنات المنطقة كافة على قواعد وأسس جديدة تكون إيران عنصراً فاعلاً فيه إلى جانب تركيا والسعودية ومصر.