الكاتب: د.وليد القططي
اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد الشهيد علي خامنئي ومجموعة من قيادة الجمهورية في الضربة الأولى للحرب الصهيوأمريكية على إيران الثورة والجمهورية كان تتويجاً لسياسة الاغتيالات الإسرائيلية القديمة المتجددة والمتجذرة في العقيدة الأنية الإسرائيلية منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى الآن، واغتيال قائد رمز بحجم السيد القائد علي خامنئي قفزة جديدة في مستوى الإرهاب وسلسال الدم المتواصل وذهب ضحيته عشرات القادة الرموز أمثال ياسر عرفات وأحمد ياسين وفتحي الشقاقي ومصطفى علي وعباس موسوي وحسن نصر الله.
سياسة الاغتيالات الإسرائيلية لم تقتصر على القادة الرموز لنهج المقاومة في الأمة، بل طالت كل درجات القيادة لا سيما في حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية في مستويات التخطيط والإعداد والتنفيذ، وامتدت إلى اغتيال العلماء والصحفيين وكل من شكل تهديداً مباشراً أو غير مباشر، في الوقت الحاضر أو المستقبل، مؤكداً أو محتملاً.. على الكيان الصهيوني، وهناك مئات الأمثلة على ذلك، فمن القادة يحيى عياش ومحمود الخواجا وعماد مغنية، ومن العلماء: يحيى المشد ومسعود محمدي ومُحسن زادة، ومن الصحفيين: غسان كنفاني وشرين أبو عاقلة وعلي نور الدين وفرح عمر وغيرهم كُثر.
كانت الدعاية الإسرائيلية تُبرر عمليات الاغتيال بطريقتين: الأولى ما تُسميه (الإحباط الموضعي) لإحباط ومنع هجمات (إرهابية) وشيكة على أهداف إسرائيلية - مستوطنين وجنود ومصالح - عندما يتعذر خيار الاعتقال أو إفشال تلك الهجمات بطريقة أُخرى يكون المُستهدف بالاغتيال قد سبق له المشاركة بالتخطيط أو الإعداد أو التنفيذ في عمليات عسكرية أوقعت قتلى وجرحى إسرائيليين كما حدث بعد عملية ميونخ بألمانيا عندما قام جهاز (الموساد) باغتيال كل المشاركين في العملية.
الإحباط الموضعي وتصفية الحساب في الرواية الإسرائيلية كانا المبرر والغطاء الذي تمت في إطارهما معظم عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي نفذها جهاز (الموساد) خارج فلسطين و(الشاباك) داخل فلسطين خاصة قبل عام 2000م، العام الي بدأت فيه الانتفاضة الثانية أو انتفاضة الأٌقصى، وبدأ معها التحوّل في سياسة الاغتيالات، فبعد أن كانت محدودة وانتقائية يسبقها إجراءات عملياتية محددة وموافقات قانونية شكلية، أصبحت واسعة وتتم بديلاً عن الاعتقال وليس فقط عندما يتعذر الاعتقال وأُعطيت صلاحيات أكبر للأجهزة الأمنية بإجراءات عملياتية أقل وقيود قانونية أخف.
بعد هجوم (طوفان الأٌقصى) اتخذت سياسة الاغتيالات حدث تحوّل أكبر وأهم من تحول انتفاضة الأقصى في الاتساع والعمق، وظلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية محتفظة بكل الإرث الإرهابي لسياسة الاغتيالات ومبرراتها وأهدافها ووسائلها وأضافت إليه تحوّلاً جديداً بعد (7) اكتوبر وهجوم (طوفان الأٌقصى) الذي اعتبرته إسرائيل خطراً وجودياً عليها فأخرجت من خلال سياسة الاغتيالات كل إرهابها ووحشيتها دفعةً واحدة في حرب إبادة غير مسبوقة في تاريخ الصراع.
قبل (طوفان الأقصى) كان البحث في الجوانب الإنسانية والأخلاقية والقانونية يهم إسرائيل لأغراض الدعاية العالمية للحفاظ على صورتها المُزيفة كدولة ديموقراطية وأخلاقية وقانونية، ولهذا احتاجت إلى قرار المحكمة الإسرائيلية العُليا بقانونية عمليات الاغتيال. وبعد (7) اكتوبر لم تهتم إسرائيل بالجوانب الإنسانية والأخلاقية والقانونية لعمليات الاغتيال، واختفى البحث فيها نهائياً في الدعاية الإسرائيلية العالمية والداخلية، تحت ضغط هائل لدعوات الثأر والانتقام لما يُسمى إسرائيلياً (مجزرة السبت الأسود)، وتحت ضغط أكبر مصدره الشعور بالخطر الوجودي على إسرائيل لا يحتمل البحث في الجوانب الإنسانية والأخلاقية والقانونية حتى لو كانت مفيدة لهم دولياً.
قبل (طوفان الأقصى) كان حساب عدد المدنيين الذين سيقتلون مع الشخص المستهدف بالاغتيال يؤخذ بالاعتبار عند تنفيذ الاغتيال، وبناءً عليه يُحدد مكان وزمان ووسيلة الاغتيال، ويُسمح بزيادة عدد المدنيين المُحتمل قتلهم كأضرار جانبية كلما زادت أهمية ووزن الشخص المُراد اغتياله، وبعد (7) اكتوبر لم يعُد هذا الحساب موجوداً تقريباً وجميعهم يُصنفون كأضرار جانبية للحرب مهما كان عددهم بالعشرات أو حتى بالمئات، فكلهم حسب التصنيف الإسرائيلي (حيوانات بشرية)، وما يسميهم (غير المتورطين) ليسوا أبرياء لأنهم مشاركون في المقاومة أو داعمون لها أو راضون بها.
قبل (طوفان الأٌقصى) كانت عمليات الاغتيال توّجه لقتل أشخاص ذوي خبرات قيادية وإدارية وعسكرية وسياسية وعلمية وغيرها منتقاة، بهدف إيجاد فراغ قيادي وفصل الرأس عن الجسد في حركات المقاومة وحرمانها من خبرات وطاقات تُفيد المقاومة. وبعد (7) اكتوبر اتسع هذا الهدف في المقاومتين الفلسطينية واللبنانية ليتحول إلى إبادة شاملة للمستوى القيادي والقضاء على البُنية القيادية الكاملة وتفكيك العقل الجمعي القيادي في مستويات القيادة العُليا الرمزية والقيادة الوسطى المُخططة، والقيادة الميدانية التنفيذية.
قبل (طوفان الأٌقصى) كانت عمليات الاغتيال جزءاً من المجهود الحربي الإسرائيلي لهزيمة المقاومة وشعوبها ودولها مصحوبة بأهداف: الانتقام والثأر (تصفية الحساب)، ومنع عمليات محتملة للمقاومة (الإحباط الموضعي)، وتعزيز حالة الردع الإٍسرائيلي، ورفع الروح المعنوية للمستوطنين في الجبهة الداخلية، وبالمقابل إضعاف الروح المعنوية للشعوب العربية والإسلامية.. وبعد (7) اكتوبر ظلت هذه الأهداف موجودة والجديد فيها أنها أصبحت جزءاً من حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وجزءً من أدوات التهجير الجماعي من خلال تعمد إسقاط عشرات ومئات الضحايا وتدمير عشرات المباني مع كل عملية اغتيال.
الخلاصة أنَّ سياسة الاغتيالات الإسرائيلية بكل تحولاتها الوحشية الجديدة بعد (7) اكتوبر، ومهما اتسعت أفقياً لتطال كل مستويات القيادة واتسعت عمودياً لتطال القادة الرموز وعلى رأسهم قائد الجمهورية والثورة والمحور السيد علي خامنئي فلن تؤثر على ديمومة الثورة واستمرارية المقاومة وصمود الشعب حتى هزيمة الكيان الصهيوني وامتداه الغربي في الحرب المتواصلة وحسم الصراع الممتد لصالح الأمة وشعوبها.

