Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

ثبات العقيدة أمام رهان الفوضى: استشهاد السيّد خامنئي ووحدة "الجبهة الداخلية"

فلسطين اليوم

الكاتب: السيد شبل

لم يكن اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، السيّد علي خامنئي حدثاً عسكرياً عادياً يمكن إدراجه في خانة التفوّق الاستخباري الغربي أو الاختراق الأمني، كما حاولت بعض الدوائر الإعلامية تصويره. فالرواية التي تُرجع ما جرى إلى "عبقرية" خارقة لدى أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية أو إلى مستوى استثنائي من "التخابر" داخل المجتمع الإيراني، تتجاهل عنصراً جوهرياً، يتمثّل في طبيعة الرجل نفسه، وخياراته الشخصية التي حكمت سلوكه حتى لحظاته الأخيرة.

بحسب المعايير العسكرية البحتة، كان يمكن تفادي الاستهداف عبر إجراءات أمنية استثنائية مثل تغيير أنماط الإقامة والعمل من مواقع سرّية وتقليص الظهور العلني أو إدارة الدولة بشكل عام من غرف عمليات محصّنة تحت الأرض. هذه قواعد معروفة في إدارة الصراعات المفتوحة مع قوى كبرى.

لكن السيّد خامنئي، كما عُرف عنه طوال عقود، لم يُرِد أن يعيش حياة "الزعيم المحاصر"، وأصرّ على متابعة نشاطه من منزله ومقر عمله بين عائلته ومعاونيه من كبار قادة الدولة والجيش، رافضين الانفصال عن الشعب، أو العيش كطبقة محصّنة خلف الجدران فيما يُطلب من الآخرين التضحية، فكانوا أول من قدّموا أرواحهم فداءا للمبادئ التي يؤمنون بها، ذلك قبل أن يُطلب من أي إيراني بسيط أن يقدّم أي نوعٍ من التضحية. 

*المعادلة المفقودة في الحسابات الغربية

من منظور دنيوي صرف، يمكن وصف هذا السلوك بأنه غير سليم كفاية، وأنّ كلفته الاستراتيجية مرتفعة للغاية. غير أنّ قراءة شخصية آية الله السيّد خامنئي ومساره منذ ما قبل انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، تكشف بعداً مختلفاً.

فالرجل الذي ولد في مشهد عام 1939، ونشأ في بيت علم وتقوى، وانخرط مبكراً في النضال ضد نظام الشاه – حيث تعرّض للاعتقال المتكرّر والنفي الداخلي – لم يكن يوماً يرى في الحياة مجرد استمرار بيولوجي، بل مساحة للاختبار والتكامل الروحي. تولّى منصب المرشد الأعلى عام 1989 خلفاً للإمام الخميني، لكنه قبل ذلك وبعده، لم يخفِ رؤيته للموت في سبيل الله والمبادئ.

في أدبياته وخطاباته المتعددة عبر العقود، كان مفهوم الشهادة حاضراً بقوة، ليس كمصيبة تُخشى أو تُتجنّب بكلّ الوسائل، بل كذروة الاكتمال الإنساني والإيماني، وكأعلى درجات الصدق مع الله عزّ وجل. فقد وصف الشهادة مراراً بأنها "صفقة رابحة لا خسران فيها"، إذ يبذل المؤمن حياته الدنيا كبرهان على إيمانه، وهي ليست نهاية بل انتقال إلى حياة أبدية مشرّفة.

*بحر بشري من الوفاء: عشرات الملايين في الميدان

غير أنّ الحدث الأهم لم يكن لحظة الاغتيال ذاتها، بل ما تلاها. هنا راهنت واشنطن و"تل أبيب" على ما اعتقدتا أنه "الفرصة التاريخية"، لزعزعة الداخل الإيراني.

فمنذ شهور، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتوجّهان في خطابات مباشرة إلى الشعب الإيراني عقب كلّ تصعيد عسكري، داعين إلى الاحتجاج ضدّ النظام، ومراهنين على أنّ الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستُترجم إلى انفجار شعبي في الشوارع.

لكنّ المشهد جاء معاكساً تماماً للتوقّعات، إذ خرجت عشرات الملايين من أبناء الشعب الإيراني إلى الشوارع، لا للاحتجاج على النظام، بل للتعبير عن حزنهم على وفاة الزعيم الأهمّ في البلاد، إذ امتلأت الساحات في طهران ومشهد وأصفهان وتبريز وكرمان بحشود غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، وكان هذا بمثابة استفتاء شعبي صريح على هوية الدولة ومسارها.

صحيح أنّ إيران، كأيّ مجتمع حيّ، تضمّ تيارات مختلفة وانتقادات سياسية واقتصادية، لكنّ لحظة الاغتيال أعادت ترتيب الأولويات، فحين يتعرّض رأس الدولة لعملية عسكرية خارجية، تتراجع الخلافات الداخلية أمام ما يُنظر إليه كعدوان سيادي.

*فرز المعسكرات: شوارع طهران مقابل عواصم الغرب

وبينما كانت شوارع إيران تضجّ بالهتافات المؤكّدة على الاستقلال، ظهر مشهد مختلف في عواصم غربية مثل باريس ولندن ولوس أنجلوس. هناك، خرجت مجموعات محدودة من أنصار "رضا بهلوي الثاني" وبقايا المعارضة المرتبطة بالخارج.

​لكنّ اللافت في تلك التجمّعات لم يكن صغر حجمها مقارنة بفيضان البشر في الداخل الإيراني، بل في "الرموز" التي رُفعت. فإلى جانب صور "الشاه"، رُفعت الأعلام الإسرائيلية في مشهدٍ فجّ، أدى إلى نتيجة عكسية تماماً داخل المجتمع الإيراني.

هذا التماهي الصارخ بين "المعارضة الخارجية" وبين القوى التي تقصف بلادهم وتستهدف قادتهم، عزّز من قناعة الإنسان الإيراني البسيط بأنّ الخيار اليوم ليس بين سياسات اقتصادية أو اجتماعية، بل بين الوطن أو الارتهان للعدو.

*الصمود أمام "الغايات" الأميركية

يدرك الأميركي والإسرائيلي اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ القوة العسكرية مهما بلغت دقتها وقسوتها، لا يمكنها حسم الصراع طالما ظلت "الجبهة الداخلية" متماسكة، لأنّ الغاية النهائية من الاغتيالات لم تكن يوماً هي التصفية الجسدية، بل "هدم الإرادة".

كانت الرسائل الموجّهة من ترامب ونتنياهو للداخل الإيراني تحثّه على "التحرّك" و"التحرّر"، وهي محاولات يائسة لترجمة الضربات العسكرية إلى مكاسب سياسية، لكنّ الردود التي استقبلاها كانت:

*أولاً، وحدة الموقف:

غياب أيّ انقسام جوهري في بنية السلطة، والإعلان بشكل هادئ ينمّ عن استعداد لمثل تلك اللحظة، عن مجلس القيادة المؤقت يتولى مهام المرشد الأعلى بشكل مؤقت، يتألف من الرئيس مسعود بزشكيان، إضافة إلى اسمين محسوبين على التيار الثوري والمبدئي داخل إيران، هما رئيس المحكمة العليا غلام حسين محسني إجئي، ورئيس مركز إدارة الحوزات العلمية، وآية الله علي رضا أعرافي.

*فشل الرهان على "الجيل الجديد":

استثمرت واشنطن وعواصم غربية أخرى مليارات الدولارات في "غزو ناعم" عبر فضاء الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لخلق "إيراني جديد" منقطع عن جذوره الثورية يبحث فقط عن الرفاهية الغربية، ويريد التحلل من التزاماته الوطنية والعقائدية. 

لكنّ الصدمة الكبرى للمخطّط الأميركي كانت في مشهد وداع القائد، فلم تكن الحشود المليونية مقتصرة على "الحرس القديم"، بل كانت الأغلبية الساحقة من الوجوه الشابة، جيل "زد" والجيل الذي يليه، أولئك الذين تعلّموا في المدارس والجامعات الإيرانية وتفاعلوا مع العالم عبر الإنترنت، لكنهم اختاروا في لحظة الحقيقة "الانتماء للهوية".

*ثالثاً، العزلة الأخلاقية للمعارضة:

سقوط ورقة التوت عن التيارات التي تحالفت مع "العدو" في لحظة المصاب الوطني، إذ أثبتت أنها بالفعل في خدمة مخططات أجنبية، لا تستهدف النظام أو نهجه السياسي، بل تستهدف الدولة ذاتها ومستقبلها ووحدة أراضيها وتماسكها الاجتماعي.

*"إنما النصر صبر ساعة" 

سيذكر التاريخ أنّ آية الله الخامنئي، في استشهاده، قدّم درساً لا يقل أهمية عن دروس حياته: القيادة الحقيقية قدوة في التضحية، وليست حصناً منيعاً خلف الجدران.

أما الشعب الإيراني فقد اتّحد خلف بلده وقيادته في لحظة صعبة وحساسة، فأثبت أنّ "إيران الدولة والمبدأ" أكبر من أن تُهزم بعملية عسكرية أو مؤامرة استخباراتية، وطالما بقيت الملايين مؤمنة بحقها في الاستقلال، وطالما ظل الانقسام محصوراً بين شعب يدافع عن وطنه في الداخل، ومعارضة ترفع أعلام أعدائه في الخارج، فإنّ كلّ المشاريع الغربية لتغيير النظام من الداخل ستبقى أوهاماً تصطدم بصخرة الواقع الإيراني الصلب.

صحيح أنّ انتقال القيادة في ظل صدمة كبرى يتطلب إدارة دقيقة لتوازنات داخلية وإقليمية معقّدة، وأن إيران أمامها تحدّيات صعبة للغاية. لكن ما حدث في الشوارع منح المؤسسة الحاكمة هامشاً سياسياً واسعاً، وأغلق – ولو مؤقتاً – أبواب سيناريوهات الانفجار الداخلي التي راهن عليها خصومها.

وبينما كان البعض يترقّب مشاهد الفوضى وانهيار البلد مع استشهاد هذا العدد الضخم من قادة الدولة، جاءت الصور من طهران لتؤكّد أنّ المعركة مستمرة، وأنّ مزيداً من الصواريخ في الطريق إلى القواعد الأميركية في المنطقة – سواء في دول الخليج أو في فلسطين المحتلة، حيث تقبع أكبر قاعدة أميركية: "إسرائيل"، وسيكون النصر مسألة وقت لا أكثر