الكاتب: خالد بركات
لم تعد معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مجرّد أزمة اجتماعية عابرة أو نتاج ظرف اقتصادي طارئ، بل باتت حالة بنيوية مزمنة، راكمتها عقود طويلة من الحرمان والتهميش، حتى وصلت اليوم إلى حدود لا تُطاق. ففي المخيمات الفلسطينية، حيث يفترض أن يكون اللجوء حالة مؤقتة بانتظار العودة، تحوّل الزمن إلى عبء ثقيل، وتحوّلت الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة مع الفقر والجوع والبطالة والمرض، في ظل حصار مركّب يطال الإنسان، وحقوقه، وكرامته.
إنّ ما يعيشه الفلسطينيون في لبنان، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، عبر إنهاكهم اجتماعيًا واقتصاديًا، ودفعهم إلى الهجرة، أو تطبيع واقعهم القائم بوصفه قدرًا لا يُرد. فالحرمان من الحقوق المدنية الأساسية، وفي مقدمتها حق العمل والتملك والضمان الاجتماعي لم يكن يومًا تفصيلًا إداريًا أو إجراءً تقنيًا، بل سياسة مقصودة تهدف إلى "سلخ الانسان الفلسطيني عن قضيته بعد أن جرى سلخه عن أرضه" كما يقول الأديب الشهيد غسان كنفاني، وإبقاء اللاجئ في حالة هشة، يسهل تطويعها.
في هذا السياق، تبدو المخيمات الفلسطينية في لبنان كأنها تُترك عمدًا لمواجهة مصيرها: خدمات متآكلة، بنى تحتية متهالكة، اكتظاظ خانق، وانسحاب تدريجي للمسؤوليات، سواء من الدولة اللبنانية أو من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي باتت سياسات تقليص خدماتها تمثّل تهديدًا مباشرًا لمقومات الحياة، وتفتح الباب واسعًا أمام الانفجار الاجتماعي.
غير أنّ أخطر ما في هذا المشهد ليس حجم المعاناة بحدّ ذاته، بل محاولات توظيفها في مشاريع الفتنة والتحريض، عبر تصوير اللاجئ الفلسطيني كعبء على لبنان، أو كخطر على استقراره. هذه السرديات ليست بريئة، وهي تتقاطع، بوعي أو من دونه، مع مصالح أعداء لبنان وفلسطين معًا.
والحقيقة الثابتة أن الشعب الفلسطيني في لبنان هو جزء من النسيج الاجتماعي، يساهم في مختلف القطاعات الإنتاجية، ويدفع ثمن وجوده من قوته اليومي، ولا يشكّل عبئًا على الاقتصاد اللبناني، بل إنّ حرمانه من العمل المنظّم والحقوق القانونية هو ما يدفع نحو اقتصاد الظل، ويعمّق الهشاشة الاجتماعية، ويغذّي الأزمات بدل معالجتها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة، شجاعة ومسؤولة، تنطلق من معادلة واضحة: استقرار لبنان وسيادته، لا يناقض منح الحقوق المدنية للفلسطينيين، باعتبارها حقوقًا إنسانية طبيعية وليست مكرمة من أحد، ولا تتناقض مع حق العودة، ولا تمسّ بالتركيبة السياسية أو الدستورية للبلاد. بل إن إقرار هذه الحقوق يشكّل عامل استقرار، ويحصّن المجتمع في وجه الفوضى واليأس.
لا يمكن فصل معركة انتزاع الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين عن الدور التاريخي والوطني المطلوب من جماهير الشتات الفلسطيني في هذه المرحلة المفصلية، ولا سيما في ظل حرب الإبادة المفتوحة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في وطنه. فالشتات لم يكن يومًا هامشًا في القضية الفلسطينية، بل شكّل على الدوام رافعة سياسية ونضالية وتنظيمية أساسية، فلا نهضة للشتات الفلسطيني من دون الدور المركزي والقيادي للاجئين الفلسطينيين في المخيمات.
غير أنّ هذا الدور لا يمكن أن يُمارَس بشكل منظّم وفاعل في ظل واقع الحرمان والقهر الذي يعيشه اللاجئون في لبنان. فشعب يُصارع من أجل لقمة العيش، ويُحرم من أبسط حقوقه في العمل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة، يُدفع قسرًا إلى الانكفاء والانشغال بالبقاء، بدل الانخراط الواعي والمسؤول في معركة شعبه الكبرى. إنّ تقييد الفلسطيني بحقوقه الأساسية لا يعطّل حياته الفردية فحسب، بل يعطّل طاقته الجماعية ودوره الوطني أيضاً.
من هنا، فإنّ الحقوق المدنية الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان ليس مطلبًا معيشيًا فحسب، بل شرطًا سياسيًا ونضاليًا لاستنهاض دور جماهير الشتات، وتمكينها من تحمّل مسؤولياتها التاريخية تجاه شعبها وقضيّتها. إنّ اللاجئ المتمتع بحقوقه هو لاجئ أكثر قدرة على التنظيم، وعلى بناء المبادرات الشعبية، وعلى خوض معارك الدفاع عن فلسطين في الفضاءات اللبنانية والعربية والدولية.
إعادة الاعتبار لدور اللاجئين الفلسطينيين، في هذه اللحظة التي تتعرّض فيها فلسطين لمحاولة اقتلاع وإبادة، تمرّ حتمًا عبر كسر منظومة التهميش والحرمان، وتمكين الفلسطيني في مخيمات الشتات من استعادة موقعه الطبيعي كفاعل سياسي وجزء من حركة تحرر وطني ممتدة عبر الجغرافيا. فانتزاع الحقوق المدنية لا ينفصل عن معركة التحرير والعودة، بل أحد أهم شروطها، ولا يمكن الحديث عن شتات مقاوم، فيما يُترك الفلسطيني في المخيم رهينة العوز والحرمان والتهميش.
وفي هذا الإطار، تقع على عاتق طلائع الشباب الثوري الفلسطيني، ومعه القوى الحيّة في المجتمع اللبناني، مسؤولية تاريخية في بناء خطاب وحدوي، يتجاوز التحريض والعمل الموسمي، ويواجه آفة العنصرية ومحاولات الاصطياد في الماء العكر.
كما لا يمكن تجاهل الدور الخطير الذي تلعبه سياسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، سواء عبر تقليص الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، أو عبر نقل أعباء العجز المالي إلى كاهل اللاجئين أنفسهم. إنّ الصمت على هذا المسار يعني القبول بتفكيك تدريجي لدور الوكالة، وفتح الباب أمام حلول تصفوية تمسّ جوهر قضية اللاجئين وحقّهم في العودة.
وعليه، فإنّ الدعوة إلى جعل عام 2026 محطة لانتزاع الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان ليست شعارًا إعلاميًا، بل مهمة وطنية لكل الفلسطينيين، وضرورة نضالية، وسياسية، وأخلاقية. انها دعوة إلى إعادة الاعتبار للإنسان، وجزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني والاجتماعي.

