الكاتب: أحمد الصباهي
ما هو القاسم المشترك بين مؤتمر للأطباء في البرتغال، ومهرجان موسيقي، ومعرض للأسلحة، وصندوق الثروة السيادي النرويجي، وجامعة هولندية، ومؤسسات بحثية، وبعض الاتحادات الرياضية؟ في الأشهر القليلة الماضية، قامت جميعها بنبذ إسرائيل أو الإسرائيليين: تم إلغاء دعوتكم أو مشاركتكم، نحن لا نريدكم".
بهذه الكلمات صدرت افتتاحية "صحيفة هآرتس"، التي نُشرت في الصحف باللغة العبرية والإنجليزية في كيان الاحتلال الإسرائيلي.
لم يعد العالم يفتح ذراعيه لـ"إسرائيل" التي تحولت إلى دولة منبوذة ومكروهة غربياً ما خلا الأنظمة العربية والغربية التي أعمتها التبعية السياسية للولايات المتحدة. انكشفت صورة "المحتل" و"المستعمر" الحقيقية التي نعلمها كفلسطينيين، وعرب، وظهر الوجه الإجرامي الحاقد الذي قتل الأطفال، وجوَّع الناس، ودمر المسشتفيات، هذا ما كنا نحدِّث به العالم، طوال سنوات طويلة، وانتظرنا حتى العام 2023 في السابع من أكتوبرمنه، ليشكل لحظة الانطلاقة من الصفر لهدم السردية الإسرائيلية في العالم لصالح الفلسطينيين، بل إن الفكرة "الصهوينية" بدأت تفقد بريقها لدي اليهود أنفسهم .
يقول الصحافي الإسرائيلي، إيريس لعال "أظهرت استطلاعات حديثة أن الفكرة الصهيونية تفقد شعبيتها بين يهود بريطانيا، وخصوصاً بين الشباب؛ هناك اتجاه مماثل يُلاحَظ في أماكن أُخرى أيضاً، وكلما أحكمَ نتنياهو قبضته وجرّهم نحوه، كلما دفع يهود الشتات - إذا أرادوا البقاء - إلى قطع كل صلة تربطهم بإسرائيل" .
ويضيف نقلاً عن لسان يهودي ألماني يعيش في كيان الاحتلال الإسرائيلي "إن الإسرائيليين لا يدركون العبء الثقيل الذي سيحملونه بقية حياتهم. لقد تغيرت معاني أن يكون الإنسان إسرائيلياً إلى الأبد، ويهود الشتات، في معظمهم، لا يريدون أي علاقة لهم بذلك" .
هذا يقودنا إلى مناقشة فكرة أرَّقت المؤسسين الأوائل للكيان الإسرائيلي، كيف يمكن لليهود في العالم أن يعتنقوا الفكرة الصهونية، والعودة إلى "أرض الميعاد"، هو صراع بين القادة الصهاينة وبين اليهود في العالم، بين من ينظر إلى الكيان كبلد يتمسك به، وبين من يعتبره بلداً رديفاً، وبين من يتخلى عنه بفعل الصورة الأخيرة التي ظهر بها الاحتلال كسفاك دماء، ومرتكب للتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، وهو ما أثبتته محكمة الجنايات الدولية عبر إصدار مذكرة اعتقال لنتنياهو، ووزير الحرب السابق يوآف غالانت كمجرمي حرب.
واللافت والمضحك في الموضوع على حدٍّ سواء، أن الغرب يحيل ما جرى من تداعيات كارثية أصابت الكيان على المستوى العالمي والدبلوماسي إلى ما أسماه المؤرخ والسياسي الغربي روبرت ساتلوف من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أفاعيل "الشبكة الإيرانية وحلفاؤها" في تحقيق تقدم ملحوظ في عزل "إسرائيل" وتحويلها إلى ما يشبه جزيرة، وأيضاً بما اعتبره "بمساعدة داعمين في العواصم السياسية ووسائل الإعلام والجامعات داخل أميركا وخارجها"، وكأن ما قام به الاحتلال من جرائم علنية، وتصريحات عنصرية وصف فيها الفلسطينيين بالحيوانات المتوحشة، وصولاً إلى المطالبة بإلقاء قنابل ذرية للإبادة لا تكفي ليتخذ الشارع الغربي موقفاً، بل إن ما جرى هو مخطط قامت به المقاومة وحلفاءها، وكأن العالم مجرد من الإنسانية ويجب أن يرى بعيون الصهاينة، والموقف الطبيعي هو دعم "إسرائيل" مهما فعلت !
ولم يقف الأمر عند حدود النبذ، بل تزايدت حملات المقاطعة، ومن أبرزها وهو ما يمكن أن يتسبب بكارثة في حال حصوله، هو ما أعلنه الاتحاد الأوروبي، بقيادة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عن خطط للسعي إلى تعليق جزئي للتجارة مع "إسرائيل" وفرض عقوبات على "الوزراء الإسرائيليين المتطرفين".
ومن المقترحات تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وكيان الاحتلال، والتي تستهدف "المسائل المتعلقة بالتجارة". وفي الإحصائيات فقد بلغت إجمالي صادرات الكيان الإسرائيلي إلى الاتحاد الأوروبي 16.9 مليار دولار، أما وارداتها فقد بغت 24.8 مليار دولار في العام 2024.
وأختم بأبلغ ما عبَّر عنه الصحفي آري شفيط عن ما وصل إليه حال الكيان عالمياً" سيواجه خلفاء نتنياهو تحدِّياً غير مسبوق، والمهمة التي ستقف أمامهم لن تكون مجرد إصلاح إسرائيل، بل إنقاذها من حضيضٍ تاريخي لم يسبق له مثيلا" .

