Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

فلسطينيو لبنان ومسألة السلاح: لا إستراتيجية للفصائل

فلسطين اليوم

الكاتب: أحمد الصباهي

برزت، في الآونة الأخيرة، أحداثٌ أمنيّة ألمَّت بالمخيمات الفلسطينية (برج البراجنة وشاتيلا)، وكأنها سلسلة متّصلة ومتنقّلة، ليست بريئة أو عرضية، ما استدعى حركة نزوح من الأحياء التي حدثت فيها الاشتباكات.

سبقت الأحداث حملةُ «تسليم أسلحة» لحركة فتح بالاتّفاق مع السلطات اللبنانية، لاقت معارضة من داخل البيت الفتحاوي، فضلاً عن امتناع فصائل التحالف التماهي مع مشروع السلطة الفلسطينية.

سياقٌ يطرح جملة تساؤلات عن التوقيت والأهداف: مدى ارتباط ما يجري من أحداث في المخيمات بسحب السلاح الفلسطيني؟ وهل نحن أمام مشروع يبدأ بزرع التوتّرات في المخيّمات مترافقاً مع تقليصات «الأونروا» ضمن مسار ربما يهدّد حقّ العودة وصولاً إلى إنهاء قضية اللاجئين؟

هذه الأسئلة المشروعة لا تنبع فقط من أسباب داخلية فلسطينية ولبنانية، بل ممّا هو مخطّط له في المنطقة، ضمن المساعي الأميركية الإسرائيلية لإنهاء قضية اللاجئين، كمقدّمة لا تنفكّ عن سلاح المقاومة اللبنانية، بما يضمن نزع شرعية المقاومة في لبنان؛ باعتبار أنّ أحد العناوين الأساسية لبقاء سلاح المقاومة هو منع المخطّط الأميركي الإسرائيلي لشطب حقّ العودة عبر فرض التوطين.

عبر استهداف المخيمات بتوترات أمنية، تمهيداً لدخول الجيش اللبناني بالقوة لفضّ تلك الاشتباكات، تفتح الاحتمالات على إنهاء وجود تلك المخيمات، أو تسليم زمام أمنها لـ«الأمن الوطني» التابع لسلطة رام الله، لينتقل المشهد الفلسطيني إلى حساب سياسات عربية أميركية لا ترى مانعاً في فرض التوطين بإرادة أميركية. وهو ما ألمح إليه سابقاً رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني السابق باسل الحسن. وإذا لم يكن كذلك، فالانتقال إلى سياسة التهجير الطوعية، عبر إنهاء خدمات «الأونروا» التي يستفيد منها اللّاجئ الفلسطيني بالتعليم والصحّة (على تقليصاتها) ما يغلق مجالات الحياة أمام الفلسطيني، فلا يجد غير البحر أمامه طريقاً إجبارياً للهجرة إلى أوروبا.

هذا السيناريو يمكن أن يعتبره البعض سوريالياً، إلا أنه حديث الشارع الفلسطيني، وهو مسار قديم يعاد إحياؤه من جديد، لأنّ الظروف الآن مؤاتية أكثر من السابق، نظراً للتحوّلات الإقليمية التي أحدثها الاحتلال على مستوى قوى المقاومة في المنطقة وتحديداً في لبنان، بعد أحداث عملية «طوفان الأقصى».

اللافت في الأمر، أنّ إستراتيجية السلطة الفلسطينية تكاد تكون واضحة: تسلّم زمام المخيمات عبر التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، ابتداء من تسليم السلاح لحصره في «الأمن الوطني» التابع لسلطة رام الله، وصولاً إلى تسليم سلاح بقيّة الفصائل (على رأسها حماس والجهاد الإسلامي)، لتصبح فتح والسلطة قناة التعامل الوحيدة مع السلطات اللبنانية، ما يطرح تساؤلات عن وجود قوى المقاومة الفلسطينية في لبنان.

في المقابل، من الواضح جدّاً غياب إستراتيجية لفصائل التحالف في مواجهة كل هذه التحدّيات. بل إنّ الحضور الإعلامي والتواصل السياسي يكاد يكون معدوماً مع السلطات اللبنانية، في ظلّ تحدّيات أمنية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، يعاني منها اللاجئ.

إنّ التذرّع بحساسية الوضع اللبناني، وما يمرّ به لبنان من خلافات داخلية، لا يعفي فصائل التحالف من ممارسة مسؤوليّاتها تجاه المخيمات واللاجئين؛ ابتداء من ضبط الوضع الأمني عبر اعتقال تجّار المخدّرات والمخلّين بالأمن بالتعاون مع السلطات اللبنانية، منعاً لاستغلال أي أطراف خارجية لتنفيذ مخطّط التهجير.

حتى لو اقتضى هذا الأمر التعاون مع الأمن الوطني التابع للسلطة. وهو ما تمّ بالبيان الذي صدر، متأخّراً، عن الفصائل الفلسطينية مجتمعة بعد الاشتبكات في مخيّمَي شاتيلا والبرج، وهي تجربة يجب تعميمها على بقيّة المخيمات.

ومن جملة التحدّيات الاقتصادية والطبّية والتعليمية، هي تقليصات «الأونروا»، ونذرها دمج المدارس، والتقليصات الطبّية، وإيقاف المساعدات المالية النقدية. وهو ما يستدعي رؤية موحّدة فلسطينية لبنانية، نظراً لخطورة تراجع خدمات «الأونروا» التي لن تلقي بتداعياتها على اللّاجئ في لبنان، بل على مؤسّساته. وبالتالي، فإنّ الحكومة اللبنانية ولجنة الحوار اللبناني الفلسطينيي مطالبتان بالضغط عربياً ودُولياً لمنع انهيار «الأونروا» وتأمين الدعم العربي والدُّولي المالي لاستمرارها، بحيث يجب أن يأخذ الجميع تصريحات المفوّض العام للوكالة فيليب لازاريني بالجدّية اللازمة، والذي اشتكى من تقليص دعم الدول العربية، ما ينعكس على صمود اللّاجئين.

أمّا التحدّي الثالث، فهو إعادة تفعيل اللقاءات والاجتماعات مع لجنة الحوار، والتي يبدو أنّ دورها بدأ يقتصر على موضوع سحب سلاح المخيمات. وقد نشرت وسائل إعلام لبنانية عن لقاء عقد بين السفير الفلسطيني محمد الأسعد والسفير رامز دمشقية بالسفارة في بيروت، دون بقيّة الفصائل، للحديث عن الأحداث الأخيرة في المخيّمات، في وقت غاب فيه موضوع إقرار الحقوق المدنية والاقتصادية. إنّ غياب إقرار هذه الحقوق، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية المتردّية في لبنان، سيدفع بالشباب الفلسطيني إلى الهجرة.

أمّا التحدّي الأبرز، فهو التحدّي السياسي، العنوان المقاوم، وهو عنوان معنيّة به فصائل التحالف، ذلك أنّ تراجع الوجود الفلسطيني، وتسليم السلاح، في ظلّ تهديدات إسرائيلية للبنان، يفتح الباب على مصراعيه لكافّة أشكال إنهاء ملف اللّاجئين.

المطلوب هو تحصين الجبهة الداخلية الفلسطينية، والتنسيق بين قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، بما يتوافق مع مقتضيات مواجهة المرحلة المقبلة. إنّ حال الانتظار والترقّب، والتعامل بردّات الفعل، لن تجدي نفعاً في ظلّ تحدّيات متنوّعة يعاني منها اللّاجئ. وإنّ وضع اللّاجئين مسؤولية القادة الفلسطينين كما هو الحال في فلسطين المحتلة.